قصة أصحاب السبت ومسخهم إلى قردة

العذاب البئيس
لماذا مسخ أصحاب السبت الى قردة
قصة أصحاب السبت الذين مسخهم الله الى قردة خاسئين

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيد المرسلين أما بعد:
بدايةً وقبل أن نتكلم عن الذين اعتدوا في السبت لا بد من التذكير بأنه ليس في الوجود أرحم من الله
فها هو ذا أهم رسول لبني إسرائيل موسى صلى الله عليه وسلم، يثني على الله ويمتدحه ويطلب العفو والمغفرة ويشهد له بأنه أرحم الراحمين:
{قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ ۖ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ(151) -الأعراف}.

وها هو نبي الله يعقوب (إسرائيل)_عليه السلام يثني على الله جلَّ جلاله ويشهد بأن الله هو أرحم الراحمين:
{قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ مِن قَبْلُ ۖ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ(64) –يوسف}.
{قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ(92) –يوسف}.

وأيوب عليه السلام أيضا، والذي تعرض لأشد اختبار وامتحان، أيوب الذي ذهب ماله وأهله ومَسه الشيطان بخُسر وعذاب، أيوب الذي أكلت الديدان من لحمه المتعفن لوفرة السقم والمرض؛ فها هو ينادي ربه ممتدحا، يا الله أنت أرحم الراحمين:
{وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ(83) –الأنبياء}.

وفي الحديث الذي رواه البخاري:
عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِ كَتَبَهُ وَهُوَ مَوْضُوعٌ تَحْتَ الْعَرْشِ: " إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي".

وقال الحافظ ابن عاشور:
وجملة: {وأنت أرحم الراحمين} تذييل، والواوُ للحال أو اعتراضية، و {أرحم الراحمين} الأشد رحمة من كل راحم.

والله غفور يغفر الذنوب جميعا، وعفو يعفو عن كثير ويصفح، قال تعالى:
{وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ(82) –طه}.
{رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ(66) –ص}.
وقال أيضا:
{وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ(135) –آل عمران}.
وأرجى آية في القرآن الكريم قوله تعالى:
{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(53) –الزمر}.
وقال في سورة غافر:
(1)   حم
(2)   تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
(3)   غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ}.  /غافر/.

وفي الحديث القدسي:
عن أبي ذَرٍّ، رضيَ اللَّهُ عنه، قال: قال النبيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: "يقولُ اللَّهُ عزَّ وجَلّ: مَنْ جاءَ بِالحَسَنَةِ، فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِها أَوْ أَزْيَدُ، ومَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ، فَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا أَوْ أَغْفِرُ. وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْراً، تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعاً، ومنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذرَاعاً، تَقَرَّبْتُ مِنْهُ باعاً، وَمَنْ أَتاني يمشي، أَتَيْتُهُ هَرْولَةً، وَمَنْ لَقِيَني بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطِيئَةً لاَ يُشْرِكُ بِي شَيْئاً، لَقِيتُهُ بمثْلِها مغْفِرَةً"
 رواه مسلم.

أما ها أولاء من عصاة بني إسرائيل الذين اعتدوا في السبت فقد أغضبوا الله أرحم الراحمين، ها أولاء أغضبوا الله العظيم غافر الذنب وقابل التوب، نعم أغضبوه واعتدوا على حرماته اعتدوا على حدوده وهو القائل لعباده:
(تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ) وقال أيضا: (تلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).
وقوله تعالى: (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ).
وقوله تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).
وقوله تعالى: (وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)
وقوله تعالى: (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۗ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
وقوله تعالى: (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا).

والحاصل أن لله جلَّ جلاله، حدودا أقامها على عباده جميعا وحذر منها كثيرا بأن لا تقربوها ولا تعتدوها حتى لا تظلموا أنفسكم. ولبني إسرائيل على وجه التحديد وضع خاص، والله سبحانه وتعالى أخذ عليهم ميثاقا غليظا في حرمة يوم السبت.
قال تعالى:
{... لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ(48) –المائدة}.

ولكن لماذا كل هذا الإصر المحمول على اليهود في يوم السبت وحرمته. وقيل إن حرمات يوم السبت بلغت (39) تحريما. بعد أن نسخ بعضا منها (عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام) في قوله تعالى: {... وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ...(50) –آل عمران}. والله أعلم. ولا نستطيع الجذم إن كان عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم قد نسخ شيئا من حرمات يوم السبت بالتحديد، لأن المحرمات على بني إسرائيل كثيرة.
بعض حرمات يوم السبت، منها:
الطبخ والزراعة والنسيج والحياكة وذبح الحيوان وتهيئة المأوى ونصب الشباك الصيد والكتابة والتشييد وحمل البضائع والأقنعة من مكان لآخر وإشعال النار.
لماذا؟
لأنه وبكل بساطة أعطوا يوم الجمعة ليكون لهم يوم العطلة فأبوا عنه وجادلوا رسول الله موسى (ص)، وطلبوا يوم السبت بدلا منه، وقالوا على الله ما لا يليق به كقولهم بأن الله استراح من عمله بعد أن فرغ من الخلق في يوم السبت، والله أعلم
(والعياذ بالله).
حتى أنهم دونوها في التوراة-سفر التكوين: 2: 3 "وبارك الله اليوم السابع وقدسه لأنه فيه استراح من جميع عمله الذي عمل الله خالقا".

والله العظيم جلَّ جلاله أنزل في كتابه العزيز:
{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ ۚ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(33) –الأحقاف}.
وقال أيضا:
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ(38) –ق}. وكلمة لغوب تعني: التعب والإعياء.

وروى الإمام الطبري رحمه الله قال:
جاءت اليهود إلى النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فقالوا: يا محمد أخبرنا ما خلق الله من الخلق في هذه الأيام الستة؟ فقال: " خَلَقَ اللّهُ الأرْضَ يَوْمَ الأحَدِ وَالاثْنَيْنِ, وَخَلقَ الجِبالَ يَوْمَ الثُّلاثاءِ, وَخَلَقَ المَدائِنَ والأقْوَاتَ والأنهارَ وعُمْرانها وَخَرَابها يَوْمَ الأرْبِعاءِ, وَخَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالمَلائِكَةَ يَوْمَ الخَمِيس إلى ثَلاثِ ساعاتٍ, يعْنِي مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ, وَخَلَقَ فِي أوَّلِ الثَّلاثِ السَّاعاتِ الآجالَ , وفي الثَّانِيَةِ الآفَة, وفي الثَّالِثَةِ آدَمَ, قالوا: صدقت إن أتممت, فعرف النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ما يريدون, فغضب, فأنـزل الله وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ * فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ .

وقال تعالى أيضا:
{يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ(29) –الرحمن}.

فكان من الأصر الذي حمله الله على بني إسرائيل:
تستريحون راحة كاملة ويمنع عليكم العمل أيا كان في يوم السبت بتاتا. فإن كنتم أنتم لا تقدرون على الراحة فلماذا تنسبونها لله العظيم.

قال تعالى:
{وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا(154) –النساء}.

وقال ابن كثير:
لا شك أن الله تعالى شرع في كل ملة يوما من الأسبوع، يجتمع الناس فيه للعبادة، فشرع تعالى لهذه الأمة يوم الجمعة ; لأنه اليوم السادس الذي أكمل الله فيه الخليقة، واجتمعت [الناس] فيه وتمت النعمة على عباده. ويقال: إنه تعالى شرع ذلك لبني إسرائيل على لسان موسى، فعدلوا عنه واختاروا السبت ; لأنه اليوم الذي لم يخلق فيه الرب شيئا من المخلوقات الذي كمل خلقها يوم الجمعة، فألزمهم تعالى به في شريعة التوراة، ووصاهم أن يتمسكوا به وأن يحافظوا عليه، مع أمره إياهم بمتابعة محمد -صلى الله عليه وسلم -إذا بعثه. وأخذ مواثيقهم وعهودهم على ذلك ; ولهذا قال تعالى: (إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه).

وقال الأمام القرطبي:
قوله تعالى: إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه أي لم يكن في شرع إبراهيم ولا في دينه، بل كان سمحا لا تغليظ فيه، وكان السبت تغليظا على اليهود في رفض الأعمال وترك التبسط في المعاش بسبب اختلافهم فيه.

وفي الحديث الذي رواه الإمام أحد:
حدثنا يزيد، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة قال: سمعت عبد الله بن سلمة يحدث، عن صفوان بن عسال المرادي -رضي الله عنه -قال: قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي [صلى الله عليه وسلم] حتى نسأله عن هذه الآية: (ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات) فقال: لا تقل له: نبي؛ فإنه لو سمعك لصارت له أربع أعين. فسألاه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تقذفوا محصنة -أو قال: لا تفروا من الزحف -شعبة الشاك -وأنتم يا يهود، عليكم خاصة أن لا تعدوا في السبت ". فقبلا يديه ورجليه، وقالا: نشهد أنك نبي. [قال: " فما يمنعكما أن تتبعاني؟ " قالا: لأن داود، عليه السلام، دعا ألا يزال من ذريته نبي]، وإنا نخشى إن أسلمنا أن تقتلنا يهود.

إذا وباختصار، أعطى الله سبحانه وتعالى لبني إسرائيل يوم الجمعة، فأبوا وعدلوا عنه واختاروا لأنفسهم يوم السبت، ولأنهم قالوا على الله ما لا يليق به، وضف إلى ذلك أنهم كانوا يجادلون ويسألون رسولهم موسى صلى الله عليه وسلم ويشترطون عليه، حمل الله عليهم إصرا واخذ عليهم ميثاق غليظاً في حرمة يوم السبت بعد أن شرعه لهم.

نأتي إلى عصاة بني إسرائيل الذين اعتدوا في يوم السبت وخرقوا حرمته:
بعض الأمثل عن الاحتيال يوم السبت.
تصور أن اليهودي لا يقدر على إشعال النار في يوم العطلة ببساطة لن يستطيع الطهو ولا شوي اللحم فالناس يفرحون بيوم العطلة لشي اللحم أما اليهود فهم محرومون منه يوم العطلة (السبت)، وأيضا لو كان مدخن فلن يكون قادرا على التدخين في يوم العطلة إذ أن فيه اشعال نار وهو محرم يوم السبت، لن يستمتع باحتساء الشاي المحضر على الحطب ولا القهوة ذات النكهة اللذيذة المصنوعة على الفحم لأنه محرم اشعال النار يوم العطلة.
كيف سيحتال العاصي من بني إسرائيل على اشعال النار (ببساطة سيقول بأني سأشعل شمعة أضيئ بها سبت الرب)، يا أخي اشعال النار كلها محرمة يوم السبت ولا يحق لك أن تشعلها لأي سبب كان فهذا احتيال. أو أنه سينادي إلى جاره المسيحي أو المسلم ثم يقول له ساعدني وأشعل لي نارا في بيتي. هذا احتيال.

تصور أن الكتابة محرمة عليه يوم العطلة، فإنه وبكل بساطة لن يكون قادرا على الولوج الى الشبكة العنكبوتية مثلا لن يكون قادرا للدخول إلى شبكات التواصل الاجتماعي ولا حتى إرسال الرسائل القصيرة ولا الدراسة ولا حل وظائفه المدرسية ببساطة الكتابة كلها ممنوعة محرمة يوم العطلة.
كيف يحتال العاصي من بني إسرائيل على هذا بكل بساطة سيدخل شبكات التواصل الاجتماعي أو شبكة النت وسيقول أنا لا أكتب أنا أطبع الحروف على الكيبورد! هذا احتيال.
أو أن يقول سأكتب توراة الرب. يا أخي هذا احتيال فالكتابة محرمة بشتى أنواعها في يوم السبت.

باختصار شديد يوم السبت عند اليهود هو يوم للعبادة فقط وليس للعمل والهو وما إلى ذلك.

ولأن حرمة يوم السبت كانت ميثاقا غليظا على بني إسرائيل، ومع تشريع أول يوم سبت لهم ثم بدأت الأيام تمضي والسبوت تتوالى انقسمت بنوا إسرائيل الى ثلاثة أقسام أو ثلاثة طوائف:
1.     قسم راح يعتدي ويحتال على حرمة يوم السبت.
2.     قسم التزم بحرمة يوم السبت وراح ينهى الأول الذي اعتدى على حرمة يوم السبت واحتال عليها.
3.     قسم التزم بحرمة يوم السبت ولكنه لم ينهى الأول الذين اعتدوا بل على العكس راح ينهى القسم الثاني عن نهي للأول.

بدأت القصة عندما أراد الله سبحانه وتعالى أن يبتلي (يختبر ويمتحن) أهل قرية من بني إسرائيل، فابتلاهم الله سبحانه وتعالى بامتحان جاء نتيجة المعصية ولأن البلاء لا يقع بالعبد إلا بسبب المعاصي، فوقع بهم البلاء بأن كانت الحيتان تأتيهم يوم السبت فتقترب الى الشاطئ أكثر من العادة قال تعالى: (إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا)، بحيث أنه لو أراد أي شخص أن يصطادها لأخذها بسهولة بالغة وذلك لكثرتها ولاقترابها من الساحل أو الشاطئ بشكل كبير. ومن عظمة البلاء بأن هذه الحيتان والأسماك كانت لا تأتي إلا في يوم السبت الذي حُرم فيه جميع أنواع العمل.

وعند هذا البلاء العظيم فإن المؤمن الذي يعظم حرمات الله وشعائره سيثبت بلا شك، وأما المحتال الزائغ المنافق العاصي فإنه سيقع بمعصيته وظلمه لنفسه شر وقعة.
وفي صباح أحد السبوت جاءت الحيتان الكثيرة الى شاطئ القرية شُرعا جاءت بشكل مهيب لكثرتها ووفرتها وهي تطفو على وجه الماء، ففزع مؤمنون بني إسرائيل أشد الفزع، إذ أنه أمر واضح وجلي، الباري ذو الجلال والإكرام يمتحن عباده إنه أمر مهيب، أمر واضح وبين فالحيتان لا تأتي إلا في يوم السبت الذي حرم الله فيه كل العمل بجميع أنواعه.
أليس الأمر واضحا بأنه اختبار، فالحيتان لا تأتي الا في اليوم المحرم فيه العمل والصيد، في حين أنها تذهب ولا تظهر باقي أيام الأسبوع المحلل فيه العمل والصيد.

وحدث أن راح الزائغون والمنافقون وعصاة بنوا إسرائيل يرمون بعقولهم الى هذه الحيتان، الى أن حصل وجاء رجل من عصاة بني إسرائيل في أحد أيام الجمعة فنصب شَركا لهذه الحيتان حتى إذا أتى يوم السبت وقع بعض مها في الشرك ثم إذا ما كان من يوم الأحد قدم الرجل اليها فسحبها وأخذها قائلا في نفسه أنا لم أصطد في السبت الذي حَرم الله فيه العمل والصيد إنما نصبت شركا في يوم الجمعة وأخذته يوم الأحد قائلا ومؤكدا في نفسه (وهذا ليس بصيد يوم السبت)، وهو لا يدري بأنه قد نصب شركا لنفسه ثم وقع فيه.

ثم أن هذا الرجل شوى ما اصطاده وأكل منه ففاحت رائحة الشواء فتنسمها بعضهم فانجذبوا لها فرأوه فقدموا له، فقصى عليهم ما فعل فأعجبوا بفعله وانضموا له فجاءت جمعة أخرى ففعلوا كما فعل حتى إذا ما كان من يوم الأحد جاءوا الشرك فأخذوا ما وقع فيها من الحيتان والسمك وقالوا لبعضهم نحن لم نصطد يوم السبت الذي حرم الله فيه جميع أنواع العمل والصيد.
وراح العصاة بعضهم يخبر بعضا وأخذوا في ازدياد وكثروا وشاعت فيهم ظاهرة التعدي على حرمات الله في يوم السبت الذي شرعه لهم وحرم عليهم جميع أنواع العمل والصيد.
ثم أن المعصية والتعدي على حرمات الله يوم السبت قد شاعت بشكل كبير وعلني وبيعت الحيتان والأسماك المحرم صيدها في الأسواق بشكل علني ومباح في الأسواق العامة.
فتعدوا حرمات الله وحدوده واستباحوا ما حرم الله سبحانه وتعالى، نقضوا الميثاق الذي أخذه الله تعالى عليهم في حرمة يوم السبت.

قال تعالى:
{وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ(163) –الأعراف}.

وفي هذا الوقت كان مؤمنون بني إسرائيل وأحبارهم وربانييهم يأتون الى الطائفة الذي اعتدت على حرمات الله وحدوده، لينهوهم عن معصيتهم واعتدائهم في يوم السبت، ولكن بلا فائدة تستمر الطائفة المعتدية في الاعتداء على حرمات الله وحدوده في يوم السبت، وبقية الطائفة التي تنهى عن الاعتداء يأتون الى العصاة بشكل مستمر ويلاحقونهم من مكان الى مكان ويكررون عليهم المواعظ وكالعادة لا فائدة،
يا قومنا انكم تعتدون على حرمات الله وحدوده (فلا فائدة) يا قومنا أنكم تنقضون الميثاق مع الله (فلا فائدة) يا قومنا إنكم تستبيحون ما حرم الله (فلا ينتهون) يا قومنا إن الله حرم الصيد وجميع أنواع العمل في يوم السبت (فلا يسمعون ولا ينتهون).
وفي نفس الوقت كانت هناك طائفة ثالثة لم تصطد ولا أكلت من الحيتان شيئا ولكنها كانت تعترض الطائفة التي تأتي وتعظ المعتدين فتقول لهم لما تعظون ها أولاء المعتدين وأنتم تعلمون أنهم اعتدوا على حرمات الله في يوم السبت وأنه لا صدى لأصواتكم فهم لن يسمعوكم إذا ما دعوتموهم ولن يبصروكم إذا ما نظروا لكم، ألا تعلمون أنهم قد عصوا الله واعتدوا على حرماته، وأن الله سيصيبهم بلعنته وأن العذاب واقع بهم بلا شك وسيهلكون لا محال.
{وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ...(164) –الأعراف}.
فترد عليهم الطائفة الواعظة بغضب وغيرة على حرمات الله وحدوده قائلين:
{...قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ(164) –الأعراف}.
كما جاء في الميسر:
نَعِظهم وننهاهم لِنُعْذَر فيهم، ونؤدي فرض الله علينا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورجاء أن يتقوا الله، فيخافوه، ويتوبوا من معصيتهم ربهم وتعدِّيهم على ما حرَّم عليهم.

واستمر الحال على ما هو عليه
·         طائفة نقضت الميثاق مع الله واستباحة حرمات الله وحدوده يوم السبت.
·         وطائفة حافظت على ميثاقها مع الله وعظموا حرمات الله وحدوده يوم السبت، وتمسكوا بها. (وهذه التي امتدحها الله).
·         وطائفة كانت تعترض الطائفة الواعظة التي كانت تعظ الطائفة المعتدية، وتحاول أن تنهاها عن ذلك. (وهذه لم تنل مدحا).

وقوع العذاب في أصحاب السبت ومسخهم الى قردة خاسئين:
بعد استمرار الطائفة المعتدية في تعديها على حرمات الله في يوم السبت، وبعد أن مضى عليهم من الوقت ما مضى مع المحاولات المستمرة من الطائفة الواعظة لهم لنهيهم عما اعتدوا فيه.
اشتد غضب الله على الطائفة المعتدية فأنجى الله الذين ينهون عن معصيته، وأخذ الذين اعتدَوْا في يوم السبت بعذاب شديد (العذاب البئيس)، بسبب مخالفتهم أمر الله وخروجهم عن طاعته.

قال تعالى:
{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ(165) –الأعراف}.

وقال ابن كثير:
قال تعالى: (فلما نسوا ما ذكروا به) أي: فلما أبى الفاعلون المنكر قبول النصيحة، (أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا) أي: ارتكبوا المعصية (بعذاب بئيس) فنص على نجاة الناهين وهلاك الظالمين، وسكت عن الساكتين ; لأن الجزاء من جنس العمل، فهم لا يستحقون مدحا فيمدحوا، ولا ارتكبوا عظيما فيذموا.

وقال القرطبي:
قوله تعالى فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون والنسيان يطلق على الساهي. والعامد: التارك ; لقوله تعالى: فلما نسوا ما ذكروا به أي تركوه عن قصد ; ومنه (نسوا الله فنسيهم).



قال تعالى:
{فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ(166) –الأعراف}.

اللهم إنا نسألك العفو والعافية، والله إنه لعذاب مفزع كيف وقع العذاب فيهم كيف تبدلت الأنسجة البشرية ما الذي حصل لخلاياهم وكيف تغيرت. وقيل إن كل شيء في أجسادهم تبدل من صورة الإنسان الى صورة القرد إلا عقولهم بقيت على حالها.
لقد شعروا بالألم والفزع والخوف والندم الشديد إنها صدمة مستمرة لا نوم فيها ولا صحوة منها فوعيهم وسمعهم وبصرهم كان كله حاضرا.


التفسير الميسر:
فلما تمردت تلك الطائفة، وتجاوزت ما نهاها الله عنه من عدم الصيد في يوم السبت، قال لهم الله: كونوا قردة خاسئين مبعدين من كل خير، فكانوا كذلك.

وقال القرطبي:
قوله تعالى فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين قوله تعالى فلما عتوا عن ما نهوا عنه أي فلما تجاوزوا في معصية الله قلنا لهم كونوا قردة خاسئين يقال: خسأته فخسأ ; أي باعدته وطردته. وقد تقدم في " البقرة " ودل على أن المعاصي سبب النقمة: وهذا لا خفاء به. فقيل: قال لهم ذلك بكلام يسمع، فكانوا كذلك. وقيل: المعنى كوناهم قردة.

وقال الطبري:
القول في تأويل قوله: فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (166)

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما تمرَّدوا، فيما نهوا عنه من اعتدائهم في السبت، واستحلالهم ما حرَّم الله عليهم من صيد السمك وأكله، وتمادوا فيه (50) " قلنا لهم كونوا قردة خاسئين "، أي: بُعَداء من الخير،
حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " فلما عتوا عما نهوا عنه "، يقول: لما مَرَد القوم على المعصية= " قلنا لهم كونوا قردة خاسئين "، فصارُوا قردةً لها أذناب، تعاوى، بعدما كانوا رجالا ونساءً.

وقال السعدي:
فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ
فَلَمَّا عَتَوْا عَمَّا نُهُوا عَنْهُ أي: قسوا فلم يلينوا، ولا اتعظوا، قُلْنَا لَهُمْ قولا قدريا: كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ فانقلبوا بإذن اللّه قردة، وأبعدهم اللّه من رحمته، ثم ذكر ضرب الذلة والصغار على من بقي منهم.

وفي الماتريدي:
وقوله -عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ ... (166)
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: قوله: (عَتَوْا) أي: استكبروا؛ يقال: عتا يعتو عتوًّا، وكأن العتو هو النهاية في البأس، فكذلك قيل في قوله: (عَتَوْا) بائسًا، لكن سمي مرة: قساوة، ومرة: استكبارًا.
وقوله -عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: حولت صورتهم وجسدهم صورة القردة، وكانت عقولهم على حالها عقول البشر لم تحول؛ ليعلموا تعذيب اللَّه إياهم وما أصابهم بهتكهم حرم اللَّه.
وقال قائلون: حول طباعهم طباع القردة، وأما الصورة والجسد على حاله.
وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة.
وقوله: (خَاسِئِينَ) قَالَ بَعْضُهُمْ: هو من خسأ الكلب: صار قاصيًا مبعدًا؛ يقال: خسأته.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (خَاسِئِينَ): مبعدين؛ وكذلك قال في قوله: (اخْسَئُوا فِيهَا) أي: ابعدوا فيها وارجعوا فيها؛ يقال: خسأت فلانًا وأخسأته، أي: باعدته، فخسأ، أي: تباعد.

وقال الجزائري:
وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (166)

شرح الكلمات:
{حاضرة البحر}: أي على شاطئه وهي مدينة من مدن أرض القدس.
{يعدون في السبت}: أي يعتدون وذلك بالصيد المحرم عليهم فيه.
{يوم سبتهم}: أي يوم راحتهم من أعمال الدنيا وهو يوم السبت.
{شرعاً}: جمع شارع أي ظاهرة بارزة تغريهم بنفسها.
{كذلك نبلوهم}: أي نمتحنهم ونختبرهم.
{بما كانوا يفسقون}: اي بسبب ما أعلنوه من الفسق وهو العصيان.
{معذرة الى ربكم}: أي ننهاهم فإن انتهوا فذاك وإلا فنهينا يكون عذراً لنا عند ربنا.
{فلما نسوا ما ذكروا به}: أي أهملوه وتركوه فل يمتثلوا ما أمروا به ولا ما نهوا عنه.
{عن السوء}: السوء هو كل ما يسيء إلى النفس من سائر الذنوب والآثام.
{بعذاب بئيس}: أي ذا بأس شديد.
{فلما عنوا عما نهوا عنه}: أي ترفعوا وطغوا فلم يبالوا بالنهي.
{قردة خاسئين}: القردة جمع قرد معروف وخاسئين ذليلين حقيرين اخساء.

معنى الآيات:
ما زال السياق في بني إسرائيل إلا أنه هنا مع رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ويهود المدينة فالله تعالى يقول لنبيه: محمد عليه الصلاة والسلام أسألهم أي اليهود { عن القرية التي كانت حاضرة البحر } أي قريبة منه على شاطئه وهي مدينة من مدن أرض القدس والشام، أي أسألهم عن أهلها كيف كان عاقبة أمرهم، أنهم مسخوا قردة وخنازير جزاء فسقهم عن أمر ربهم، وفصل له الحادث تفصيلاً للعبرة والاتعاظ فقال { إذ يعدون في السبت } أي يعتدون ما أذن لهم فيه إلى ما حرم عليهم، اذن لهم أن يصيدوا ما شاءوا إلا يوم السبت فإنه يوم عبادة ليس يوم لهو وصيد وطرب، { إذ تأتيهم حيتانهم } أس أسماكهم { يوم سبتهم شرعاً } ظاهرة على سطح الماء تغريهم بنفسها { يوم لا يسبتون } أي في باقي أيام الأسبوع { لا تأتيهم } إذا هم مبتلون ، قال تعالى: { كذلك } أي كهذا الابتلاء والاختبار { نبلوهم بما كانوا يفسقون } أي بسبب فسقهم عن طاعة ربهم ورسله، إذا ما من معصية إلا بذنب هكذا سنة الله تعالى في الناس . هذا ما تضمنته الآية الأولى (163) وهي قوله تعالى {وأسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون}.
وأما الآية الثانية ( 164 ) فالله تعالى يقول لرسوله: اذكر لهم أيضاً إذ قالت طائفة منهم أي من أهل القرية لطائفة أخرى كانت تعظ المعتدين في السبت أي تنهاهم عنه لأنه معصية وتحذرهم من مغبة الاعتداء على شرع الله تعالى قالت { لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً } وهذا القول من هذه الطائفة دال على يأسهم من رجوع أخوانهم عن فسقهم وباطلهم، فأجابتهم الطائفة الواعظة { معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون } فيتوبوا ويتركوا هذا الاعتداء، قال تعالى { فلما نسوا تركوا ولم يلتفتوا الى وعظ إخوانهم لهم ووصلوا اعتداءهم وفسقهم، قال تعالى { أنجينا الذين ينهون عن السوء } وهم الواعظون لهم ممن ملّوا ويئسوا فتركوا وعظهم، وممن واصلوا نهيهم ووعظهم، { وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس } أي شديد البأس { بما كانوا يفسقون } عن طاعة الله ربهم، إذ قال تعالى لهم { كونوا قردة خاسئين } فكانوا قردة خاسئين ذليلين صاغرين حقيرين، ثم لم يلبثوا ( مسخاً ) إلا ثلاثة أيام وماتوا.

وقال محمد بن إسحاق:
عن داود بن الحصين، عن عكرمة، قال: قال ابن عباس: إن الله إنما افترض على بني إسرائيل اليوم الذي افترض عليكم في عيدكم - يوم الجمعة - فخالفوا إلى السبت فعظموه، وتركوا ما أمروا به. فلما أبوا إلا لزوم السبت ابتلاهم الله فيه، فحرم عليهم ما أحل لهم في غيره. وكانوا في قرية بين أيلة والطور، يقال لها: مدين؛ فحرم الله عليهم في السبت الحيتان: صيدها وأكلها. وكانوا إذا كان يوم السبت أقبلت إليهم شرعا إلى ساحل بحرهم، حتى إذا ذهب السبت ذهبن، فلم يروا حوتا صغيرا ولا كبيرا. حتى إذا كان يوم السبت أتين شرعا، حتى إذا ذهب السبت ذهبن، فكانوا كذلك، حتى إذا طال عليهم الأمد وقرموا إلى الحيتان، عمد رجل منهم فأخذ حوتا سرا يوم السبت، فخزمه بخيط، ثم أرسله في الماء، وأوتد له وتدا في الساحل فأوثقه، ثم تركه. حتى إذا كان الغد جاء فأخذه، أي: إني لم آخذه في يوم السبت ثم انطلق به فأكله. حتى إذا كان يوم السبت الآخر، عاد لمثل ذلك، ووجد الناس ريح الحيتان، فقال أهل القرية: والله لقد وجدنا ريح الحيتان، ثم عثروا على صنيع ذلك الرجل. قال: ففعلوا كما فعل، وصنعوا سرا زمانا طويلا لم يعجل الله عليهم العقوبة حتى صادوها علانية وباعوها بالأسواق. فقالت طائفة منهم من أهل البقية: ويحكم، اتقوا الله . ونهوهم عما يصنعون. فقالت طائفة أخرى لم تأكل الحيتان، ولم تنه القوم عما صنعوا: (لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم) لسخطنا أعمالهم (ولعلهم يتقون) [الأعراف: 164].

هذا ذكر أصحاب السبت في سورة الأعراف، وقد ورد ذكرهم في سورة البقرة في قوله تعالى:
(65)   وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ
(66)   فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ}. /البقرة/.

وقال ابن كثير:
يقول تعالى: (ولقد علمتم) يا معشر اليهود، ما حل من البأس بأهل القرية التي عصت أمر الله وخالفوا عهده وميثاقه فيما أخذه عليهم من تعظيم السبت والقيام بأمره، إذ كان مشروعا لهم، فتحيلوا على اصطياد الحيتان في يوم السبت، بما وضعوه لها من الشصوص والحبائل والبرك قبل يوم السبت، فلما جاءت يوم السبت على عادتها في الكثرة نشبت بتلك الحبائل والحيل، فلم تخلص منها يومها ذلك، فلما كان الليل أخذوها بعد انقضاء السبت. فلما فعلوا ذلك مسخهم الله إلى صورة القردة، وهي أشبه شيء بالأناسي في الشكل الظاهر وليست بإنسان حقيقة. فكذلك أعمال هؤلاء وحيلهم لما كانت مشابهة للحق في الظاهر ومخالفة له في الباطن، كان جزاؤهم من جنس عملهم.
وقال الضحاك: عن ابن عباس:
فمسخهم الله قردة بمعصيتهم، يقول: إذ لا يحيون في الأرض إلا ثلاثة أيام، قال: ولم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل. وقد خلق الله القردة والخنازير وسائر الخلق في الستة الأيام التي ذكرها الله في كتابه، فمسخ [ الله ] هؤلاء القوم في صورة القردة ، وكذلك يفعل بمن يشاء كما يشاء . ويحوله كما يشاء.

قال ابن عباس:
فبينما هم على ذلك أصبحت تلك البقية في أنديتهم ومساجدهم وفقدوا الناس فلم يرونهم قال: فقال بعضهم لبعض: إن للناس لشأنا! فانظروا ما هو. فذهبوا ينظرون في دورهم، فوجدوها مغلقة عليهم، قد دخلوها ليلا فغلقوها على أنفسهم، كما يغلق الناس على أنفسهم فأصبحوا فيها قردة، وإنهم ليعرفون الرجل بعينه وإنه لقرد، والمرأة بعينها وإنها لقردة، والصبي بعينه وإنه لقرد. قال: يقول ابن عباس: فلولا ما ذكر الله أنه أنجى الذين نهوا عن السوء لقلنا أهلك الجميع منهم، قال: وهي القرية التي قال الله جل ثناؤه لمحمد صلى الله عليه وسلم: (واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر) الآية [الأعراف: 163]. وروى الضحاك عن ابن عباس نحوا من هذا.

هداية الآيات، قال الجزائري:
·         تقرير الوحي والنبوة لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم إذ مثل هذا القصص الذي يذكر لبني إسرائيل لن يتم إلا عن طريق الوحي، وإلا فكيف علمه وذكر به اليهود أصحابه وأهله، وقد مضى عليه زمن طويل.
·         إذا أنعم الله على أمة نعمة ثم اعرضت عن شكرها تعرضت للبلاء أولاً ثم العذاب ثانياً.
·         جدوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد نجى الله تعالى الناهي عن المنكر وأهلك الذين باشروه ولم ينتهوا منه دون غرهم.
·         إطلاق لفظ السوء على المعصية مؤذن بأن المعصية مهما كانت صغيرة تحدث السوء في نفس فاعلها.

إلى هنا ونكتفي ومن أراد التوسع فعليه بالقرآن الكريم وكتب التفسير،

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آل بيته وصحبه وسلم.
Share on Google Plus

About Abd Elrahman

لا إله إلا الله محمد رسول الله
    Blogger Comment
    Facebook Comment

0 التعليقات:

إرسال تعليق