الرد على شبهة وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيد المرسلين،
أما بعد:

شبهة حول عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم، استند المشككون لإشاعتها ببعض الروايات العقيمة والباطلة والموقوفة المجهولة سندا ومتنا، ومنها روايات مرسلة ضعيفة لا تصح بالإضافة إلى سوء فهمهم لآيات الله -تعالى-.




والآية التي أسيء فهمها هي قوله -تعالى-:
(73)   وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ۖ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا.
[سورة الأسراء].

الرد:
اعلم أخي القارئ أن الروايات التي أوردها بعض المفسرين في تفسيرهم لهذه الآية الكريمة كلها باطلة ولا تصح، لماذا؟ لأن الروايات في الأساس مغايرة لمعنى الآية الكريمة حيث أن قوله -تعالى- (وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ۖ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا) يتحدث أو يعني شيء والروايات تتحدث عن شيء آخر مختلف تماما وسنأتي عليه.

دعنا أولا نلقي نظرة على مدى متن هذه الروايات العقيمة، أو بمعنى آخر هذه الخزعبلات الخرافية التي تسللت إلى كتب التفسير،
الرواية الأولى:
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القُمِّي، عن جعفر، عن سعيد، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلم الحجر الأسود، فمنعته قريش، وقالوا: لا ندَعُه حتى يلم بآلهتنا، فحدّث نفسه، وقال: ما عَلَيَّ أنْ أُلِمَّ بِها بَعْدَ أنْ يَدَعُونِي أسْتَلِمُ الحَجَرَ، وَالله يَعْلَمُ أنّي لَهَا كارهٌ، فَأَبى الله، فَأَنـزلَ الله ( وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ) الآية.

ونلاحظ فيها (ابن حميد) وقال عنه أهل العلم: وهو مع إمامته منكر الحديث، صاحب عجائب،
وقال عنه البخاري: في حديثه نظر.
وقال صالح بن محمد: كنا نتهم ابن حميد.
قال أبو علي النيسابوري: قلت لابن خزيمة: لو حدث الأستاذ عن محمد بن حميد ; فإن أحمد بن حنبل قد أحسن الثناء عليه. قال: إنه لم يعرفه، ولو عرفه كما عرفناه، لما أثنى عليه أصلا.
قال أبو أحمد العسال: سمعت فضلك، يقول: دخلت على ابن حميد، وهو يركب الأسانيد على المتون.
وقال يعقوب بن إسحاق الفقيه: سمعت صالح بن محمد الأسدي، يقول: ما رأيت أحذق بالكذب من سليمان الشاذكوني، ومحمد بن حميد [ص: 505] الرازي، وكان حديث محمد بن حميد كل يوم يزيد.
قال أبو إسحاق الجوزجاني: هو غير ثقة.
وقال أبو حاتم: سمعت يحيى بن معين، يقول: قدم علينا محمد بن حميد بغداد، فأخذنا منه كتاب يعقوب القمي، ففرقنا الأوراق بيننا، ومعنا أحمد بن حنبل، فسمعناه، ولم نر إلا خيرا. فأي شيء تنقمون عليه؟ قلت يكون في كتابه شيء، فيقول: ليس هو كذا، ويأخذ القلم فيغيره، فقال: بئس هذه الخصلة.
وقال النسائي: ليس بثقة.
وقال العقيلي: حدثني إبراهيم بن يوسف، قال: كتب أبو زرعة، ومحمد بن مسلم، عن محمد بن حميد حديثا كثيرا، ثم تركا الرواية عنه.
..//انتهى//..

وكما ترى أخي القارئ فالرواية منكرة وباطلة ولا تصح،
طبعا ولا يزال يوجد المزيد من الروايات التي وردت في كتب التفسير وكلها متضاربة يخالف بعضها بعضا والأهم من ذلك أنها مخالفة للمعنى الصحيح لآيات الله -تعالى-، وهذا ما دفع الإمام أبو جعفر الطبري للتعقيب على ما أورده من روايات في تفسيره فقال: "ولا بيان في الكتاب ولا في خبر يقطع العذر أيّ ذلك كان، والاختلاف فيه موجود على ما ذكرنا، فلا شيء فيه أصوب من الإيمان بظاهره، حتى يأتي خبر يجب التسليم له ببيان ما عُني بذلك منه". ..//انتهى//..

وقال ابن عاشور:
وللمفسرين بضعة محامل أخرى لهذه الآية استقصاها القرطبي، فمنها ما ليس له حظ من القبول لوهن سنده وعدم انطباقه على معاني الآية، ومنها ما هو ضعيف السند وتتحمله الآية بتكلف. ..//انتهى//..


اذا إلى هنا انتهينا ولو بشكل مختصر من رد هذه الروايات التي لم يصح معظمها وما تبقى منها يعتبر ضعيفا ومخالفا لكتاب الله -تعالى- كما أنه مخالف لعصمة الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث أن الروايات التي لا تصح تبين بأن المشركين قاربوا بشكل ما أو أنهم أو بآخر أو أنهم أوشكوا على أن يفتنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا مخالف لمغزى الآية الكريمة ومخالف لعصته صلى الله عليه وسلم، في حين أن المعنى الصحيح للآية الكريمة لا يعني ذلك أبدا، وبمجرد معرفته فإن كل الشبهات التي انبنت على أساس التفسير الخاطئ ستنهار بإذن الله -تعالى-،

وسننتقل إلى التفسير الصحيح للآية الكريمة،
قال -تعالى-:
(73)   وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ۖ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا
(74)   وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا
(75)   إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا.
[سورة الإسراء].

وقبل أن نبدأ بشرح الآية الكريمة وجب التنويه إلى أن الله تعالى قد أنزل آية غير هذه بنفس المعني ولكن بصياغة قرآنية مختلفة وذلك في قوله -تعالى-:

113 )   وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ ۚ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا
[سورة النساء].
وهنا المعنى نفس معنى الآية الأولى ولكن مع اختلاف الصياغة كما أن الآية الثانية وحدها كفيل بإسقاط الشبهة التي أشيعة حول الأولى.
ونعود للشرح:
في الآية (73) من قوله -تعالى-، لاحظ الكلمة (َ كَادُوا) وهي مفتاح لباب كبير من الحكمة لفهم الآية الكريمة،
فالكلمة (كَادُوا) هي من الفعل (كادَ) والفعل كادَ يحتمل معنيين الأول "كاد ويعني (أوشك – قارب)" كأن تقول كاد الرجل أن يبكي أو كاد الولد أن يغرق أو كاد الرجل أن يصل بمعنى قارب من فعل الشيء أو أوشك عليه أو أوشك أن يفعله أو يقع فيه الخ..
وهذا المعنى مستبعد من الآية الكرية فهي لا تحتمله البتة.

أما المعنى الثاني لكلمة (كادٙ) فهي من الفعل كادَ بمعنى أمكر كيدا أو أمكر مكيدة أو تآمر أو تواطئ فهو من الكيد والمكيدة، وهذا التعبير تحديدا هو المقصود وما تحتمله الآية الكريمة في قوله -تعالى-: (وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ۖ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا) فيصبح المعنى للآية الكريمة: أنهم يا محمد قد كادوك لك وأمكروا فيما بينهم محاولين جاهدين حتى تفتتن بمكائدهم لكي تحيد عما أنزل إليك فتتبع أهوائهم، ولو حصل ذلك يا محمد لكنتَ أصبحتَ لهم خليلا محبوبا.
ولكن هذا لم يحدث ذلك أن الله -تعالى- عصم رسوله صلى الله عليه وسلم بأن ثبته على صراطه المستقيم، ثم يعطف الله -تعالى على قوله (وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا) أي أنك يا محمد لو لم أعصمك وأثبتك على الصراط المستقيم لكنت قاربت أو أوشكت أن تميل لهم ثم تقع فيما أمكروا لك من الفتنة لتختلق وتتقول علينا. والآية هنا هي بالدرجة الأولى لإظهار عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم بأن الله -تعالى- عصمه من كيد الكفار المشركين ومؤامراتهم.
ولاحظ أخي القارئ أن الفعل (كادَ) ورد في آيات الله -تعالى- بالمعنيين في الآية (73) جاء بمعنى أمكر أو أحاك مكيدة بمعنى كاد المكيدة ومنه قوله -تعالى-:
( 5 )   قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ. [سورة يوسف].
في حين أن نفس الفعل "كادَ" ورد في الآية التالية (74) بمعنى (كدت) من الفعل كاد بمعنى أوشك على الشيء أو قاربه.

فهناك فارق كبير بين أن نقول "كاد ليفعل" وبين "كاد يفعل" فالأول كاد أمكر حتى يفعل، والثانية كاد أوشك وقارب أن يفعل.

وقال السعدي:
يذكر تعالى منته على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وحفظه له من أعدائه الحريصين على فتنته بكل طريق، فقال: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا} أي: قد كادوا لك أمرًا لم يدركوه، وتحيلوا لك، على أن تفتري على الله غير الذي أنزلنا إليك، فتجيء بما يوافق أهواءهم، وتدع ما أنزل الله إليك.
{وَإِذَا} لو فعلت ما يهوون {لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا} أي حبيبًا صفيًا، أعز عليهم من أحبابهم، لما جبلك الله عليه من مكارم الأخلاق، ومحاسن الآداب، المحببة للقريب والبعيد، والصديق والعدو.
 {وَ} مع هذا فـ {لَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ} على الحق، وامتننا عليك بعدم الإجابة لداعيهم، {لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} من كثرة المعالجة، ومحبتك لهدايتهم. ..//انتهى//..

وقال ابن عاشور:
وهذا طمع من المشركين أن يستدرجوا النبي من سؤال إلى آخر، فهو راجع إلى نياتهم. وليس في الكلام ما يقتضي أن النبي عليه الصلاة والسلام همّ بذلك كما فهمه بعض الفسرين، إذ لام التعليل لا تقتضي أكثر من غرض فاعل الفعل المعلل ولا تقتضي غرض المفعول ولا علمه. ..//انتهى//..

فعلى هذا اذا فكل ما ورد في كتب التفسير من روايات مغايرة للمعنى الصحيح الذي تحتمله الآية الكريمة إنما يكون باطلا لا صحة له، هذا لأنه خالف جوهر الآية الكريمة ومغزاها ومن ناحية أخرى فقد تعارض مع عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث أن الآية الكريمة هي للدلالة على العصمة التي عصم الله -تعالى- بها رسوله بينما كانت المرويات العقيمة ترمي إلى أن الرسول عليه الصلاة والسلام حدث نفسه كذا وكذا كما ورد في تلك الروايات الساقطة، والعياذ بالله -تعالى- وحاشا لرسولنا الكريم المعصوم الأمين صلى الله عليه سلم من مثل هذا.

تم بفضل الله -تعالى-.


Share on Google Plus

About Abd Elrahman

لا إله إلا الله محمد رسول الله
    Blogger Comment
    Facebook Comment

0 التعليقات:

إرسال تعليق