السراب المُهلك ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شيئا

السراب المهلك

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيد المرسلين أما بعد:
مثل مخيف ومفزع ضربه الله سبحانه وتعالى على الكفار ولكل من سولت له نفسه أن يحذو حذوهم، فقال سبحانه وتعالى:
{وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ(39) -سورة النور}.
والمثل معجز أكثر من أن تتخيل، وفي نفس الوقت هو واضح وبَيِن.
فتعالى أخي القارئ لنتفكر ونتمعن في هذا المثل المعجز المفزع:

أولا ما هو السراب؟ قال الحافظ ابن عاشور:
والسراب: رطوبة كثيفة تصعد على الأرض ولا تعلو في الجو تنشأ من بين رطوبة الأرض وحرارة الجو في المناطق الحارة الرملية فيلوح من بعيد كأنه ماء.

وماذا تعني (بقيعة)؟ قال الحافظ ابن عاشور:
وقوله: {بقيعة} الباء بمعنى في. و (قيعة) أرض، والجار والمجرور وصف {لسراب} وهو وصف كاشف لأن السراب لا يتكون إلا في قيعة. وهذا كقولهم في المثل للذليل «هو فَقع في قرقر» فإن الفقع لا ينبت إلا في قرقر. والقيعة: الأرض المنبسطة ليس فيها رُبّى ويُرادفها القاعة. وقيل قيعة جمع قاع مثل جيرة جمع جار، ولعله غلب لفظ الجمع فيه حتى ساوى المفرد.

إذا فالسراب هو شيء موجود في أصله ومكانه وهو عبارة عن شيء من رطوبة كما قال ابن عاشور ومكانه أيضا لا يكون إلا في قيعة أي الأرض المنبسطة التي ألهبتها اشعة الشمس الحارة،
وهذا السراب عندما يشاهده شخص في بيئة صحراوية وقد أصابه الظمأ والعطش فإنه على الحال سيظن بأنه ماء وعلى الفور سيبني أحلامه وظنونه ثم سيتجه إليه بكل عزيمة وإصرار. وباعتبار أن هذا السراب حقيقي بأصله الذي هو الرطوبة ومكانه الذي هو القيعة، فإن هذا المشخص العطشان الظمآن سيحدد أو يقدر في عقله مسافة لهذا السراب فسيقول بأن نتيجتها =(م)، فإذا بلغتها فسأصل إلى هذا الماء أو أن يُعلمه بشجرة أو صخرة، ولكنه ومع الأسف عندما يبلغ المسافة (م)، فإنه لا يجد شيئا. هذا ما يحصل مع إنسان عادي.

إذا فإننا نفهم بأن السراب هو شيء حقيقي موجود في مكان حقيقي، ولكن ما رسمه الظماء في مخيلته هو الذي لم يكن حقيقة، ولذلك فإن هذا الظمآن عندما يصل الى هذا السراب فلن يجد شيءً بمعنى أنه لن يجد ما رسمه وظنه في عقله.

ولكن ماذا لو أنه وجد مالم يكن يحسبه!! دعنا قليلا من الذي ضُرب عليه المثل(الكافر)، ولنبقى قليلاً في حالة شخص طبيعي يمشي في صحراء أصابه العطش الشديد وليس معه شيء من ماء وبينما هو يمشي وإذ به يرى من بعيد واحة من الماء فيتجدد في نفسه الأمل إنها هناك وبقربها تلة ترابية أو صخرية، فاستنهض في جسده المرهق أقصى ما أوتيَ من قوة ثم جرى مسرعا، يحدث نفسه بلغة جديدة يضحك ضحكات جديدة لقد أصبح لسروره أصوات، مشى ومشى ثم مشى، تتسارع خطواته تتباعد، أهي إلى هذا الحد كبيرة لعله البحر هكذا قال محدثً نفسه، لقد قرر أنه سيصل إلي الماء ولكن سرعان ما بدأت الشمس تغيب ثم تفاجئ بأن الماء اختفى فلم يصدق نفسه نظر يسراً ويمنا  ثم التفت وراءه وإذا به قد قطع التلة الصخرية بمسافات لقد أصافه إحباط ويأس إنها صدمة ضعضعت وزلزلت كيانه. انتهى
ولكن سأعيد عليك نفس السؤال: تصور لو أن المتوهم الذي صدم هذه الصدمة، تفاجئ بصدمة ثانية أكبر وأقوى وأزلزل منها؟

سنعود إلى المثل القرآني الآية الكريمة جاء في تفسيرها الميسر:
والذين كفروا بربهم وكذَّبوا رسله، أعمالهم التي ظنوها نافعة لهم في الآخرة، كصلة الأرحام وفك الأسرى وغيرها، كسراب، وهو ما يشاهَد كالماء على الأرض المستوية في الظهيرة، يظنه العطشان ماء، فإذا أتاه لم يجده ماء. فالكافر يظن أن أعماله تنفعه، فإذا كان يوم القيامة لم يجد لها ثوابًا، ووجد الله سبحانه وتعالى له بالمرصاد فوفَّاه جزاء عمله كاملا. والله سريع الحساب، فلا يستبطئ الجاهلون ذلك الوعد، فإنه لا بدَّ مِن إتيانه. /أنتهى التفسير الميسر/.

ومثالا على ذلك:
ها أولاء التافهين الذين يطعنون في عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسبون ويشتمون أحب أزواجه إليه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها، تراهم يطعنون في عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يقيمون الصلاة وبعضاً من شعائر الدين ويعتقدون بأنهم على حق، فهم قد كفروا بكتاب الله تعالى فالله سبحانه أنزل برآءة أم المؤمنين من فوق السماء السابعة وهم يكفرون بما أنزل الله ، وها أولاء ينطبق عليهم المثل. وعليهم من الله ما يستحقون.

وأيضا هناك بعض أهل الكتاب الذين فرغوا أنفسهم لمحاربة الدين الإسلامي العظيم والحنيف، فتراهم يقيمون شيئا من شعائر دينهم ثم يحاربون دين الله وكتابه ورسله، /والمثل ينطبق عليهم/.

والملحدين أيضا الذين يكفرون بالله وكتبه ورسله جهارا نهارا، ثم يقولون لئن كان هناك إله وَعُدنا إليه وسألنا لماذا لم تؤمنوا بي وتعبدونني، لنقولن له حججنا كذا وكذا، والمشكلة أنهم عند عودتهم يتفاجؤون بأن حججهم كانت أوهاما ولا مجالا للنقاش، فلا ينظر الله تعالى إليهم ولا يكلمهم ولا يزكيهم وهو القائل في كتابه: {...لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(77)-آل عمران} فلا مجال إلا لصدمة تتبعها صدمة أرهب منها وأشد بطشاً، فالكفار يوم الحساب يوفيهم الله أعمالهم ويجازيهم عليها. /والمثل ينطبق عليهم/.

وأصحاب الأموال من الذين لا يؤمنون بالله ورسوله، فإذا تصدقوا بصدقة تصدقوها رياءً، وإذا لقوا الفقراء عيروهم وتفاخروا عليهم، ويظنون بأن المال هو كل شيء وبه يأتي كل شيء، وها أولاء سيفاجئهم الله  إذا ما جاءوا السراب، وهو القائل سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10) -آل عمران}-. /ينطبق عليهم المثل/.

والمشركين أيضا وعلى شتى أنواعهم الذين يظنون بأنهم ملاقون شركائهم، كذلك سيجدون نقمة الله وعذابه ويخزيهم ويكبتهم، وهو القائل سبحانه:
{وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقًا (52) -الكهف}
وقال أيضا: {وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ ۚ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (64) -القصص}


والمنافقين الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر ثم يخرجون على المحطات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي متهجمون على أهل العلم أتباع السنة النبوية والسلف الصالح والذين قال الله سبحانه وتعالى فيهم ومن كان على شاكلتهم:
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ۗ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ (13) –القرة}.

والضالين الذين قال الله سبحانه وتعالى فيهم:

{قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا(104) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا(105) ذَٰلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (106) –الكهف}

والكافرين المستضعفين أيضا ينطبق المثل عليهم والذين بين الله لنا ما يقولون قال تعالى:
{وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) -الأحزاب}


وإلى الآن كل ما ذكرناهم ينطبق عليهم المثل حرفيا ولو تتبعت القرآن الكريم لوجدت المزيد ممن ينطبق عليهم المثل، وكلهم سيفاجئهم الله سبحانه و تعالى من حيث لا يعلمون وهو القائل سبحانه:
{وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا(23) –الفرقان}.
وقال أيضاً: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ(182) –الأعراف}

وقال أيضاً: {فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَٰذَا الْحَدِيثِ ۖ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ(44) –القلم}



إذاً لا يوجد عند الله سبحانه وتعالى حجة للكافر يدافع بها عن نفسه، ولا يكلمه الله ولا ينظر إليه يوم  القيامة، بل على العكس تماما فالنقاش يوم الحساب يعني الهلاك لما ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم رحمهما الله: (أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه و سلم كانت لا تسمع شيئا لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه وأن النبي صلى الله عليه و سلم قال ( من حوسب عذب ) . قالت عائشة فقلت أوليس يقول الله تعالى { فسوف يحاسب حسابا يسيرا } . قالت فقال ( إنما ذلك العرض ولكن من نوقش الحساب يهلك ). /أخرج البخاري ومسلم/.


الى هنا لم ولن ينتهي شرح المثل ولو بقيت أكتب عن قوله تعالى:
{وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ(39) -سورة النور}.
فلا يزال هناك الكثير. 

ونختم بقوله تعالى من سورة المؤمنون:
{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ(1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ(2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ(3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ(4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ(5) إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ(6) فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ(7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ(8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ(9) أُولَٰئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ(10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(11). سورة النور}


وأتمنى أن أكون قدمت ما ينفع المسلمين،
فإن أخطأت فمن نفسي والشيطان.


يتبع بإذن الله تعالى

تابع الموضوع من هنا


Share on Google Plus

About Abd Elrahman

لا إله إلا الله محمد رسول الله
    Blogger Comment
    Facebook Comment

0 التعليقات:

إرسال تعليق