أين جاء في القرآن الكريم أن الإنجيل محرف -3-

أين جاء في القرآن الكريم أن الإنجيل محرف الرد الثالث

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين،
أما بعد:

ما زلنا في الرد على النصراني الذي قال إن الإنجيل كتاب الله وأنه محفوظ بحفظه من التزوير والتحريف، ثم أتبعها بتحدي بقوله أثبت من القرآن الكريم بأن الإنجيل محرف، ولأن التحدي مشترط فيه إثبات تحريف الإنجيل من القرآن الكريم حصرا، كان لزاما علينا بأن لا نلجئ إلى مصادر خارج القرآن الكريم.

وبفضل الله تعالى كتبنا موضوعين الأول كان اثبات أن الكتاب الوحيد الذي تعهد الله بحفظه هو القرآن الكريم حصرا دون غيره، وأن باقي الكتب السماوية أوكل الله مهمة حفظها الى اليهود والنصارى.

والرد الثاني كان حول شهادة القرآن الكريم للإنجيل وبأن الله سبحانه وتعالى صدق كتابه الإنجيل الذي أنزله على المسيح عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم، وأن القرآن الكريم يشهد للإنجيل المنزل على المسيح وليس الإنجيل الذي تدعي الكنيسة أنه موحى به الى حواريي المسيح وتلاميذه وأتباعه فهذه أصبحت كتب أخرى ووحي آخر، فَ الله سبحانه وتعالى لم يرسل الوحي جبريل الى أي من حواري المسيح وتلاميذه ولا لأتباعه ولم ينزل عليهم أي كلمة من الإنجيل.
فالتوراة على سبيل المثال كتبها كتبتها وقالوا هذا الكلام نزل على رسول الله موسى صلى الله عليه وسلم، قالوا بأنهم نقلوه عن رسول الله موسى عليه السلام ولم يدعي أحدهم بأنه نزل عليه شيء منها، بغض النظر عن مدى صحة توراة موسى ونقصد بتوراة موسى (أسفار موسى الخمسة).

الرد الثالث:

في هذا الرد ستقرأ معي بعض آيات الله تعالى وهي صفحة من كتابه العزيز في سورة القصص، كما أننا سنورد تفاسير الآيات من التفسير الميسر الى أن نصل إلى الآية التي هي لب موضوعنا سنعلمها بالأصفر ونوسع التفسير ونأتي بأقوال العلماء حتى لا يكون للنصراني حجة.

نبدأ على بركة الله تعالى:

قال تعالى في سورة القصص:

( 44 )   {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ}.

        -( 44 )   وما كنت -أيها الرسول- بجانب الجبل الغربي من موسى إذ كلَّفناه أَمْرنا ونَهْينا، وما كنت من الشاهدين لذلك، حتى يقال: إنه وصل إليك من هذا الطريق.

( 45 )   {وَلَٰكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ۚ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَٰكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ}.
                   -ولكنا خلقنا أممًا من بعد موسى، فمكثوا زمنًا طويلا فنسوا عهد الله، وتركوا أمره، وما كنت مقيمًا في أهل "مدين" تقرأ عليهم كتابنا، فتعرف قصتهم وتخبر بها، ولكن ذلك الخبر الذي جئت به عن موسى وحي، وشاهد على رسالتك.

( 46 )   {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَٰكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}.
           -وما كنت -أيها الرسول- بجانب جبل الطور حين نادينا موسى، ولم تشهد شيئًا من ذلك فتعلمه، ولكنا أرسلناك رحمة من ربك؛ لتنذر قومًا لم يأتهم مِن قبلك من نذير؛ لعلهم يتذكرون الخير الذي جئتَ به فيفعلوه، والشرَّ الذي نَهيتَ عنه فيجتنبوه.

( 47 )   {وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}.
          -ولولا أن ينزل بهؤلاء الكفار عذاب بسبب كفرهم بربهم، فيقولوا: ربنا هلا أرسلت إلينا رسولا من قبل، فنتبع آياتك المنزلة في كتابك، ونكون من المؤمنين بك.

( 48 )   {فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَىٰ ۚ أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ ۖ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ}.
           -فلما جاء محمد هؤلاء القوم نذيرًا لهم، قالوا: هلا أوتي هذا الذي أُرسل إلينا مثل ما أوتي موسى من معجزات حسية، وكتابٍ نزل جملة واحدة! قل -أيها الرسول- لهم: أولم يكفر اليهود بما أوتي موسى من قبل؟ قالوا: في التوراة والقرآن سحران تعاونا في سحرهما، وقالوا: نحن بكل منهما كافرون.

( 49 )   {قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}.
         -قل -أيها الرسول- لهؤلاء: فأتوا بكتاب من عند الله هو أقوم من التوراة والقرآن أتبعه، إن كنتم صادقين في زعمكم.

( 50 )   {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}.
         -فإن لم يستجيبوا لك بالإتيان بالكتاب، ولم تبق لهم حجة، فاعلم أنما يتبعون أهواءهم، ولا أحد أكثر ضلالا ممن اتبع هواه بغير هدى من الله. إن الله لا يوفِّق لإصابة الحق القوم الظالمين الذين خالفوا أمر الله، وتجاوزوا حدوده.

-----------
الله أكبر، أليس هذا واضحا.

والسؤال هنا لماذا لا نجد ذكرا للإنجيل الذي بين أيدي النصارى، والكتب المذكورة هي توراة موسى الأسفار الخمسة والقرآن الكريم؟

الجواب لأن الإنجيل كتاب محرف ولا يرقى الى أن يكون كتاب يهدي الى الحق،
فتوراة موسى لو قرأناها بغض النظر عن بعض الأخطاء الواردة فيها إن كان عمدا أو أخطاء من النساخ، إلا أن فيها نسبة كبيرة من الصحة، فيها توحيد لله فيها تعظيم لله فيها معجزات موسى صلى الله عليه وسلم، معظم أخبار موسى الواردة فيها يصدقها القرآن الكريم، باختصار فيها الكثير من الصحة والقرآن الكريم يصدقها.

التحدي من القرآن الكريم واضح {قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}، والكتابين المذكورين في الآية الكريمة هما توراة موسى والقرآن الكريم.

أعود وأكرر السؤال مرة ثانية أين الإنجيل من التحدي لماذا لم يذكره الله في هذا التحدي، ولا يوجد أدنى من أدنى إشارة تشير أو تدل على ورود ذكر لا للمسيح ابن مريم صلى الله عليه وسلم ولا للإنجيل، لماذا؟ لأنه لا يوجد إنجيل صحيح فهو كتاب محرف لم يكن ليرقى لمثل هذا التحدي.

فلو قرأنا في توراة موسى ثم انتقلنا مباشرة الى الإنجيل لوجدنا الفرق بينهما والاختلاف كبيرين جدا الى درجة أن النصارى أنفسهم يلاحظون هذا.

والآية الكريمة محكمة بشكل كبير بحيث حتى ولو جاء النصراني المتحدي وقال الإنجيل كتاب من عند الله فإنه لا يزال في خانة الخسارة، لماذا لأن قوله تعالى (قل فأتوا بكتاب من عند الله).
بمعنى حتى ولو كان الإنجيل الذي بين أيد النصارى من عند الله فهو لا يهدي، فالتحدي يشتمل كل الكتب الموجودة على وجه الأرض بما فيها ما تبقى من الكتب المقدسة.

إذا فوقله سبحانه وتعالى:
( 48 )   فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَىٰ ۚ أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ ۖ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ
( 49 )   قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
//القصص//.


 يثبت تحريف النصارى لكتابهم الإنجيل فلو كان الإنجيل على حاله كما أنزله الله على المسيح عيسى ابن مريم لكان جاء ذكره ولكن الله سبحانه وتعالى يعلم أن الإنجيل الذي بين أيدي النصارى لا يهدي الى الحق كما يهدي التوراة والقرآن، فالإنجيل الذي بين أيدي النصارى ليس بالحجة التي يحتج بها.


وقبل أن نختم ردنا، بقي ثغرة واحدة يجب أن نغلقها ونفندها، وهي أن بعض العلماء رحمهم الله أوردوا بعض الأقوال التي تقول بأن الكتابين المذكورين هما "التوراة" و "الإنجيل".

وأنا لا أعلم كيف جاؤوا بهذا القول ومن أين إذ أن كل علماء التفسير باستثناء اثنين أو ثلاثة يجمعون على أن الكتابين المختصين بالذكر في الآية الكريمة هما التوراة والقرآن. وضف إلى ذلك أن ابن كثير رحمه الله تعالى وغيره ردوا مثل هذه الأقوال.

ولهذا فنحن سنقوم بجمع أقوال العلماء ونبينها حتى لا يخرج بعض النصارى من الذين يحاجوننا في كتابنا ويستغلون أقوال بعض العلماء من الذين اجتهدوا في التفسير فأخطأوا.


وسنبدأ مع الحافظ ابن كثير رحمه الله والذي أورد أقوال بعض العلماء ومنها القائل بالإنجيل والقرآن ثم أن ابن كثير رحمه الله رد هذا القول وبين الصواب:

تفسير ابن كثير للآية كامل:

فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَىٰ ۚ أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ ۖ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ
قول تعالى مخبرا عن القوم الذين لو عذبهم قبل قيام الحجة عليهم ، لاحتجوا بأنهم لم يأتهم رسول : أنهم لما جاءهم الحق من عنده على لسان محمد ، صلوات الله وسلامه عليه قالوا على وجه التعنت والعناد والكفر والجهل والإلحاد : ( لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل ) ، يعنون - والله أعلم - : من الآيات الكثيرة ، مثل العصا واليد ، والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ، وتنقص الزروع والثمار ، مما يضيق على أعداء الله ، وكفلق البحر ، وتظليل الغمام ، وإنزال المن والسلوى ، إلى غير ذلك من الآيات الباهرة ، والحجج القاهرة ، التي أجراها الله على يدي موسى عليه السلام ، حجة وبراهين له على فرعون وملئه وبني إسرائيل ، ومع هذا كله لم ينجع في فرعون وملئه ، بل كفروا بموسى وأخيه هارون ، كما قالوا لهما : ( أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين ) [ يونس : 78 ] ، وقال تعالى : ( فكذبوهما فكانوا من المهلكين ) [ المؤمنون : 48 ] . ولهذا قال هاهنا : ( أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل ) أي : أولم يكفر البشر بما أوتي موسى من تلك الآيات العظيمة . ( قالوا سحران تظاهرا ، ) ، أي تعاونا ، ( وقالوا إنا بكل كافرون ) أي : بكل منهما كافرون . ولشدة التلازم والتصاحب والمقارنة بين موسى وهارون ، دل ذكر أحدهما على الآخر ، كما قال الشاعر :

فما أدري إذا يممت أرضا أريد الخير أيهما يليني

أي : فما أدري أيليني الخير أو الشر . قال مجاهد بن جبر : أمرت اليهود قريشا ا أن يقولوا لمحمد - صلى الله عليه وسلم - ذلك ، فقال الله : ( أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا ) قال : يعني موسى وهارون - صلى الله عليه وسلم - ( تظاهرا ) أي : تعاونا وتناصرا وصدق كل منهما الآخر . وبهذا قال سعيد بن جبير وأبو رزين في قوله : ( ساحران ) يعنون : موسى وهارون . وهذا قول جيد قوي ، والله أعلم .

وقال مسلم بن يسار ، عن ابن عباس ) قالوا ساحران تظاهرا ) يعني : موسى ومحمدا ، صلوات الله وسلامه عليهما وهذا رواية عن الحسن البصري .

وقال الحسن وقتادة : يعني : عيسى ومحمدا ، صلى الله عليهما وسلم ، وهذا فيه بعد ; لأن عيسى لم يجر له ذكر هاهنا ، والله أعلم .

وأما من قرأ ( سحران تظاهرا ) ، فقال علي بن أبي طلحة والعوفي ، عن ابن عباس . يعنون : التوراة والقرآن . وكذا قال عاصم الجندي ، والسدي ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، قال السدي : يعني صدق كل واحد منهما الآخر .

وقال عكرمة : يعنون : التوراة والإنجيل . وهو رواية عن أبي زرعة ، واختاره ابن جرير .

وهنا يصحح ابن كثير اقوال العلماء ويردها:
وقال الضحاك وقتادة : الإنجيل والقرآن . والله سبحانه ، أعلم بالصواب . والظاهر على قراءة : ( سحران ) أنهم يعنون : التوراة والقرآن ; لأنه قال بعده : ( قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه ) ، وكثيرا ما يقرن الله بين التوراة والقرآن ، كما في قوله تعالى ( قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس ) إلى أن قال : ( وهذا كتاب أنزلناه مبارك ) [ الأنعام : 91 ، 92 ] ،

وقال في آخر السورة : ( ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن ) ، إلى أن قال : ( وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون ) [ الأنعام : 155 ] ، وقالت الجن : ( إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى [ مصدقا لما بين يديه ] ) [ الأحقاف : 30 ] وقال ورقة بن نوفل : هذا الناموس الذي أنزل [ الله ] على موسى . وقد علم بالضرورة لذوي الألباب أن الله لم ينزل كتابا من السماء فيما أنزل من الكتب المتعددة على أنبيائه أكمل ولا أشمل ولا أفصح ولا أعظم ولا أشرف من الكتاب الذي أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو القرآن ، وبعده في الشرف والعظمة الكتاب الذي أنزله على موسى بن عمران ، عليه السلام ، وهو التوراة التي قال الله تعالى فيها : ( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء ) [ المائدة : 44 ] . والإنجيل إنما نزل متمما للتوراة ومحلا لبعض ما حرم على بني إسرائيل .
---------------


تفسير الإمام القرطبي رحمه الله تعالى:

فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَىٰ ۚ أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ ۖ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ
قوله تعالى : فلما جاءهم الحق من عندنا يعني محمدا صلى الله عليه وسلم قالوا يعني كفار مكة ( لولا ) أي هلا أوتي مثل ما أوتي موسى من العصا واليد البيضاء ، وأنزل عليه القرآن جملة واحدة كالتوراة ، وكان بلغهم ذلك من أمر موسى قبل محمد ; فقال الله تعالى : ( أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا ساحران تظاهرا ) أي موسى ومحمد تعاونا على السحر وقال الكلبي : بعثت قريش إلى اليهود وسألوهم عن بعث محمد وشأنه فقالوا : إنا نجده في التوراة بنعته وصفته فلما رجع الجواب إليهم ( قالوا ساحران تظاهرا ) وقال قوم : إن اليهود علموا المشركين ، وقالوا قولوا لمحمد لولا أوتيت مثل ما أوتي موسى ، فإنه أوتي التوراة دفعة واحدة فهذا الاحتجاج وارد على اليهود ، أي أولم يكفر هؤلاء اليهود بما أوتي موسى حين قالوا في موسى وهارون هما ساحران وإنا بكل كافرون أي وإنا كافرون بكل واحد منهما . وقرأ الكوفيون : ( سحران ) بغير ألف ، أي الإنجيل والقرآن وقيل : التوراة والفرقان ; قاله الفراء وقيل : التوراة والإنجيل ، قاله أبو رزين . الباقون ( ساحران ) بألف وفيه ثلاثة أقاويل : أحدها : موسى ومحمد عليهما السلام ، وهذا قول مشركي العرب . وبه قال ابن عباس والحسن . الثاني : موسى وهارون وهذا قول اليهود لهما في ابتداء الرسالة . وبه قال سعيد بن جبير ومجاهد وابن زيد فيكون الكلام احتجاجا عليهم . وهذا يدل على أن المحذوف في قوله : ولولا أن تصيبهم مصيبة لما جددنا بعثة الرسل ، لأن اليهود اعترفوا بالنبوات ولكنهم حرفوا وغيروا واستحقوا العقاب ، فقال : قد أكملنا إزاحة عذرهم ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم . الثالث : عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم ، وهذا قول اليهود اليوم ، وبه قال قتادة . وقيل : أولم يكفر جميع اليهود بما أوتي موسى في التوراة من ذكر المسيح ، وذكر الإنجيل والقرآن ، فرأوا موسى ومحمدا ساحرين والكتابين سحرين .

وهنا يصحح الإمام القرطبي ويعطي التفسير الصحيح:

قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
قوله تعالى : قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه أي قل يا محمد إذ كفرتم معاشر المشركين بهذين الكتابين فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه ليكون ذلك عذرا لكم في الكفر إن كنتم صادقين في أنهما سحران . أو فأتوا بكتاب هو أهدى من كتابي موسى ومحمد عليهما السلام . وهذا يقوي قراءة الكوفيين ( سحران ) . أتبعه . قال الفراء : بالرفع ; لأنه صفة للكتاب وكتاب نكرة . قال : وإذا جزمت - وهو الوجه - فعلى الشرط .

--------------

وقال الحافظ ابن عاشور:

فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَىٰ ۚ أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ ۖ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ
فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (48)

الفاء فصيحة كالفاء في قول عباس بن الأحنف :

قالوا خراسان أقصى ما يُراد بنا ... ثم القفول فقد جئنا خراسانا

وتقدير الكلام : فإن كان من معذرتهم أن يقولوا ذلك فقد أرسلنا إليهم رسولاً بالحق فلما جاءهم الحق لفقوا المعاذير وقالوا : لا نؤمن به حتى نؤتى مثل ما أوتي موسى .

و { الحق } : هو ما في القرآن من الهدى .

وإثبات المجيء إليه استعارة بتشبيه الحق بشخص وتشبيه سماعه بمجيء الشخص ، أو هو مجاز عقلي وإنما الجائي الرسول الذي يبلغه عن الله ، فعبر عنه بالحق لإدماج الثناء عليه في ضمن الكلام .

ولما بهرتهم آيات الرسول صلى الله عليه وسلم لم يجدوا من المعاذير إلا ما لقنهم اليهود وهو أن يقولوا : { لولا أوتي مثل ما أوتي موسى } ، أي بأن تكون آياته مثل آيات موسى التي يقصها عليهم اليهود وقص بعضها القرآن .

وضمير { يكفروا } عائد إلى القوم من قوله { لتنذر قوماً } [ القصص : 46 ] لتتناسق الضمائر من قوله { ولولا أن تصيبهم } [ القصص : 47 ] وما بعده من الضمائر أمثاله .

فيشكل عليه أن الذين كفروا بما أوتي موسى هو قوم فرعون دون مشركي العرب فقال بعض المفسرين هذا من إلزام المماثل بفعل مثيله لأن الإشراك يجمع الفريقين فتكون أصول تفكيرهم واحدة ويتحد بهتانهم ، فإن القبط أقدم منهم في دين الشرك فهم أصولهم فيه والفرع يتبع أصله ويقول بقوله ، كما قال تعالى { كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون } [ الذاريات : 52 - 53 ] أي متماثلون في سبب الكفر والطغيان فلا يحتاج بعضهم إلى وصية بعض بأصول الكفر . وهذا مثل قوله تعالى { غُلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غَلَبهم سيغلبون } [ الروم : 2 - 3 ] ثم قال { ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله } [ الروم : 4 - 5 ] أي بنصر الله إياهم إذ نصر المماثلين في كونهم غير مشركين إذ كان الروم يومئذ على دين المسيح .

فقولهم { لولا أوتي مثل ما أوتي موسى } من باب التسليم الجدلي ، أو من اضطرابهم في كفرهم فمرة يكونون معطلين ومرة يكونون مشترطين . والوجه أن المشركين كانوا يجحدون رسالة الرسل قاطبة . وكذلك حكاية قولهم { ساحران تظاهرا } من قول مشركي مكة في موسى وهارون لما سمعوا قصتهما أو في موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام . وهو الأظهر وهو الذي يلتئم مع قوله بعده { وقالوا إنا بكل كافرون قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما } [ القصص : 48 49 ] .

وقرأ الجمهور { ساحران } تثنية ساحر . وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف { قالوا سِحْران } على أنه من الإخبار بالمصدر للمبالغة ، أي قالوا : هما ذوا سحر .

والتظاهر : التعاون .

والتنوين في { بكل } تنوين عِوض عن المضاف إليه فيقدر المضاف إليه بحسب الاحتمالين إما بكل من الساحرين ، وإما أن يقدر بكل من ادعى رسالة وهو أنسب بقول قريش لأنهم قالوا { ما أنزل الله على بشر من شيء } [ الأنعام : 91 ] .

وهنا يورد ابن عاشور رحمه الله القول الصحيح:

قل فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (49) أي أجب كلامهم المحكي من قولهم { ساحران } [ القصص : 48 ] وقولهم { إنا بكل كافرون } [ القصص : 48 ] .

ووصف ( كتاب ] ب { من عند الله } إدماج لمدح القرآن والتوراة بأنهما كتابان من عند الله . والمراد بالتوراة ما تشتمل عليه الأسفار الأربعة المنسوبة إلى موسى من كلام الله إلى موسى أو من إسناد موسى أمراً إلى الله لا كل ما اشتملت عليه تلك الأسفار فإن فيها قصصاً وحوادث ما هي من كلام الله . فيقال للمصحف هو كلام الله بالتحقيق ولا يقال لأسفار العهدين كلام الله إلا على التغليب إذ لم يدع ذلك المرسلان بكتابي العهد . وقد تحداهم القرآن في هذه الآية بما يشتمل عليه القرآن من الهدى ببلاغة نظمه . وهذا دليل على أن مما يشتمل عليه من العلم والحقائق هو من طرق إعجازه كما قدمناه في المقدمة العاشرة .



وفي تفسير البغوي:

فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَىٰ ۚ أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ ۖ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ
( فلما جاءهم الحق من عندنا ) يعني محمدا - صلى الله عليه وسلم - ، ( قالوا ) يعني : كفار مكة ، ( لولا ) هلا ( أوتي ) محمد ، ( مثل ما أوتي موسى ) من الآيات كاليد البيضاء والعصا وقيل : مثل ما أوتي موسى كتابا جملة واحدة . قال الله تعالى : ( أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل ) أي : فقد كفروا بآيات موسى كما كفروا بآيات محمد ( قالوا سحران تظاهرا ) قرأ أهل الكوفة : " سحران " ، أي : التوراة والقرآن : " تظاهرا " يعني : كل سحر يقوي الآخر ، نسب التظاهر إلى السحرين على الاتساع ، قال الكلبي : كانت مقالتهم تلك حين بعثوا إلى رءوس اليهود بالمدينة ، فسألوهم عن محمد فأخبروهم أن نعته في كتابهم التوراة ، فرجعوا فأخبروهم بقول اليهود ، فقالوا : سحران تظاهرا . وقرأ الآخرون : " ساحران " يعنون محمدا وموسى عليه السلام ، لأن معنى التظاهر بالناس وأفعالهم أشبه منه بالكتب ، ( وقالوا إنا بكل كافرون )

قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
( قل ) يا محمد ، ( فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما ) يعني : من التوراة والقرآن ، ( أتبعه إن كنتم صادقين )



وقال الشيخ الشعراوي رحمه الله تعالى:

فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (48)

وقد صدَّقنا بهذه المعجزات كلها؛ لأن الله أخبرنا بها في القرآن الكريم، فللقرآن الذي جاء معجزة ومنهجاً الفضل في إبقاء هذه المعجزات؛ لأنه أخبر بها وخلَّد ذكرها.
ثم يرد الله عليهم: {أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ موسى مِن قَبْلُ ... } [القصص: 48] ثم يحكي ما قالوا عن معجزة موسى، وعن معجزة محمد {قَالُواْ سِحْرَانِ تَظَاهَرَا ... } [القصص: 48] أي: أن موسى جاء بسحر، ومحمد جاء بسحر آخر، وقد {تَظَاهَرَا. .} [القصص: 48] علينا يعني: تعاونا، وهي مأخوذة من الظهر كأنك قُلْت: أعطني ظهرك مع ظهري لنحمل الحِمْل معاً، والظهْر محلُّ الحمل.
والرد على هذا الاتهام يسير، فمعجزة موسى وإنْ كانت من جنس السحر إلا أنها ليست سحْراً، فالسحر يُخيِّل لك أن الحبال حية تسعى، أمّا ما فعله موسى فكان قلب العصا إلى حية حقيقية تسعى وتبتلع سحرهم، لذلك أُلقي السحرة ساجدين؛ لأنهم رأوا معجزة ليستْ من جنس ما نبغوا فيه فآمنوا من فورهم.
أما الذين قالوا عن محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: إنه ساحر فالردُّ عليهم بسيط: فلماذا لم يسحركم أنتم أيضاً كما سحر المؤمنين به؟
ثم يؤكدون كفرهم بكل من الرسولين: موسى ومحمد: {وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ} [القصص: 48] .

قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (49)

معنى {قُلْ ... } [القصص: 49] أي: في الردّ عليهم {فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ الله هُوَ أهدى مِنْهُمَآ ... } [القصص: 49] أي: أهدى من التوراة التي جاء بها موسى، وأهدى من القرآن الذي جاء به محمد ما دام أنهما لم يُعجباكم {أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [القصص: 49] يعني: لو جئتمُ به لاتبعته.
وهذا يعني منهجين: منهج حقٍّ جاء به محمد، ومنهج باطل يُصرون هم عليه، وهذا التحدي من سيدنا رسول الله للكفار يعني أنه لا يوجد كتاب أهدى مما جاء به، لا عند القوم، ولا عند مَنْ سيأتي من بعدهم، وحين يُقر لهم رسول الله بإمكانية وجود كتاب أَهْدى من كتابه يطمعهم في طلبه، فإذا طلبوه لم يجدوا كتاباً أهدى منه، فيعرفوا هم الحقيقة التي لم ينطق بها رسول الله، وهل يستطيع بشر أن يضع للناس منهجاً أهدى من منهج الله؟
إذن: يقول لهم: {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [القصص: 49] وهو يعلم أنهم غير صادقين، لأن الله تعالى جعل محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خاتَم الرسل، فلن يأتي رُسُل بعده، بحيث يأتي الرسول فتستدركوا عليه فيأتي آخر بكتاب جديد، وأنتم لن تستطيعوا أنْ تأتوا بكتاب من عند أنفسكم؛ لأن كل مُقنّن سيأتي الذي يخدم مذهبه، ويُرضي هواه.
لذلك نقول: ينبغي في المقنِّن ويُشترط فيه:
أولاً: أن يكون على علم واسع، بحيث لا يُسْتدرك عليه فيما بعد، وهذه لا تتوفر في أحد من البشر، بدليل أن القوانين التي وُضِعت في الماضي لم تَعُدْ صالحة الآن ينادي الناس كثيراً بتعديلها، حيث طرأتْ عليهم مسائل جديدة غابتْ عن ذِهْن المشرِّع الأول، فلما جدَّتْ هذه المسائل أتعبت البشر بالتجربة، فَطالبوا بتعديلها.
ثانياً: يشترط في المشرِّع ألاَّ يكون له هوى فيما يُشرِّع للناس،


وقال الواحدي:

{فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ {48} قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ {49} فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ {50} وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ {51} } [القصص: 48-51] {فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا} [القصص: 48] محمد والقرآن، {قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى} [القصص: 48] هلا أوتي محمد من الآيات مثل ما أوتي موسى من العصا واليد، فاحتج الله عليهم بقوله: {أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ} [القصص: 48] أي: فقد كفروا بآيات موسى كما كفروا بآيات محمد، قالوا ساحران تظاهرا
تعاونا على السحر والضلالة، يعنون موسى ومحمدا، ومن قرأ سحران فقال مقاتل: يعنون التوراة والقرآن.
وهو قول عكرمة والكلبي، والمعنى: كل سحر منهما يقوي الآخر، فنسب التظاهر إلى السحرين على الاتساع.
{وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ} [القصص: 48] من التوراة والقرآن، كافرون.
قال الله لنبيه: قل لكفار مكة: {فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا} [القصص: 49] من التوراة والقرآن، {أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [القصص: 49] أنهما ساحرين، {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ} [القصص: 50] فإن لم يأتوا بمثل التوراة والقرآن، {فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ} [القصص: 50] قال الزجاج: فاعلم أن ما ركبوه من الكفر لا حجة لهم فيه، وإنما آثروا فيه الهوى، ثم ذمهم.


وقال البيضاوي:

[سورة القصص (28) : الآيات 48 الى 49]
فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ (48) قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (49)
فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسى من الكتاب جملة واليد والعصا وغيرها اقتراحاً وتعنتاً. أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ يعني أبناء جنسهم في الرأي والمذهب وهم كفرة زمان موسى، أو كان فرعون عربياً من أولاد عاد. قالُوا سِحْرانِ يعني موسى وهارون، أو موسى ومحمّدا عليهما السلام. تَظاهَرا تعاوناً بإظهار تلك الخوارق أو بتوافق الكتابين. وقرأ الكوفيون «سحران» بتقدير مضاف أو جعلهما سحرين مبالغة، أو إسناد تظاهرهما إلى فعلهما دلالة على سبب الإعجاز. وقرئ ظاهراً على الإِدغام. وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ أي بكل منهما أو بكل الأنبياء.
قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما مما أنزل على موسى وعلى محمد صلّى الله عليه وسلّم وإضمارهما لدلالة المعنى، وهو يؤيد أن المراد بالساحرين موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام. أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ إنا ساحران مختلقان، وهذا من الشروط التي يراد بها الإِلزام والتبكيت، ولعل مجيء حرف الشك للتهكم بهم.



وقال الزمخشري:

[سورة القصص (28) : آية 48]
فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ (48)
فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ وهو الرسول المصدق بالكتاب المعجز مع سائر المعجزات وقطعت معاذيرهم وسدّ طريق احتجاجهم قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى من الكتاب المنزل جملة واحدة، ومن قلب العصاحية وفلق البحر وغيرهما من الآيات، فجاءوا بالاقتراحات المبنية على التعنت والعناد، كما قالوا: لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك، وما أشبه ذلك أَوَلَمْ يَكْفُرُوا يعنى أبناء جنسهم ومن مذهبهم مذهبهم وعنادهم عنادهم، وهم الكفرة في زمن
قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (49) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50)

موسى عليه السلام بِما أُوتِيَ مُوسى وعن الحسن رحمه الله: قد كان للعرب أصل في أيام موسى عليه السلام، فمعناه على هذا: أو لم يكفر آباؤهم قالُوا في موسى وهرون سِحْرانِ تَظاهَرا أى تعاونا. وقرئ إظهارا على الإدغام. وسحران، بمعنى: ذوا سحر. أو جعلوهما سحرين مبالغة في وصفهما بالسحر. أو أرادوا نوعان من السحر بِكُلٍّ بكل واحد منهما.
فإن قلت: بم علقت قوله من قبل في هذا التفسير؟ قلت: بأ ولم يكفروا، ولي أن أعلقه بأوتي، فينقلب المعنى إلى أن أهل مكة الذين قالوا هذه المقالة كما كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن فقد كفروا بموسى عليه السلام وبالتوراة، وقالوا في موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام:
ساحران تظاهرا. أو في الكتابين: سحران تظاهرا، وذلك حين بعثوا الرهط إلى رؤساء اليهود بالمدينة يسألونهم عن محمد صلى الله عليه وسلم، فأخبروهم أنه نعته وصفته، وأنه في كتابهم، فرجع الرهط إلى قريش فأخبروهم بقول اليهود، فقالوا عند ذلك: ساحران تظاهرا.


وفي تفسير الخازن:

[سورة القصص (28): الآيات 46 الى 53]
وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46) وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47) فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ (48) قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (49) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50)
وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (51) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53)
وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ أي بناحية الجبل الذي كلم الله موسى عليه إِذْ نادَيْنا أي موسى خذ الكتاب بقوة وقال وهب قال موسى: يا رب أرني محمدا وأمته قال إنك لن تصل إلى ذلك ولكن إن شئت ناديت أمته وأسمعتك صوتهم قال بلى يا رب قال الله تعالى: يا أمة محمد فأجابوه من أصلاب آبائهم. وقال ابن عباس قال الله تعالى: يا أمة محمد فأجابوه من أصلاب الآباء والأرحام أي أرحام الأمهات لبيك اللهم لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. قال الله تعالى: يا أمة محمد إن رحمتي سبقت غضبي وعفوي سبق عقابي قد أعطيتكم قبل أن تسألوني وقد أجبتكم قبل أن تدعوني وقد غفرت لكم قبل أن تستغفروني ومن جاءني يوم القيامة بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبدي ورسولي دخل الجنة وإن كانت ذنوبه أكثر من زبد البحر وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ أي رحمناك رحمة بإرسالك والوحي إليك واطلاعك على الأخبار الغائبة عنك لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ يعني أهل مكة لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ اعلم أن الله تعالى لما بين قصة موسى عليه الصلاة والسلام لرسوله صلّى الله عليه وسلّم فجمع بين هذه الأحوال الثلاثة العظيمة التي اتفقت لموسى فالمراد بقوله: «إذ قضينا إلى موسى الأمر» هو إنزال التوراة عليه حتى تكامل دينه واستقر شرعه والمراد بقوله «وما كنت ثاويا في أهل مدين» أول أمر موسى والمراد بقوله إذ نادينا ليلة المناجاة فهذه أعظم أحوال موسى ولما بينها لرسوله ولم يكن في هذه الأحوال حاضرا بين الله أنه بعثه وعرفه هذه الأحوال الدالة على نبوته صلّى الله عليه وسلّم ومعجزته كأنه قال في إخبارك عن هذه الأشياء من غير حضور ولا مشاهدة دلالة ظاهرة على نبوتك.
قوله تعالى وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ أي عقوبة ونقمة بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ يعني من الكفر والمعاصي فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أي هلّا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ومعنى الآية لولا أنهم يحتجون بترك الإرسال إليهم لعاجلناهم بالعقوبة على كفرهم وقيل معناه لما بعثناك إليهم رسولا ولكنا بعثناك إليهم لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا يعني محمدا صلّى الله عليه وسلّم قالُوا يعني كفار مكة لَوْلا أي هلا أُوتِيَ محمد مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى يعني من الآيات كالعصا واليد البيضاء. وقيل:
أوتي كتابا جملة واحدة كما أوتي موسى التوراة قال الله تعالى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قيل إن اليهود أرسلوا إلى قريش أن يسألوا محمدا صلّى الله عليه وسلّم مثل ما أوتي موسى فقال الله تعالى: أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل يعني اليهود الذين استخرجوا هذا السؤال قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا يعني التوراة والقرآن يقوي كل واحد



وفي تفسير الرازي:


[سورة القصص (28) : الآيات 48 الى 55]
فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون (48) قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين (49) فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين (50) ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون (51) الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون (52)
وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين (53) أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤن بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون (54) وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين (55)
اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم عند الخوف قالوا هلا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك «1» ، بين أيضا أنه بعد الإرسال إلى أهل مكة قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى فهؤلاء قبل البعثة يتعلقون بشبهة وبعد البعثة يتعلقون بأخرى، فظهر أنه لا مقصود لهم سوى الزيغ والعناد.
أما قوله: فلما جاءهم الحق من عندنا أي جاءهم الرسول المصدق بالكتاب المعجز مع سائر المعجزات قالوا لولا أتي مثل ما أوتي موسى من الكتاب المنزل جملة واحدة ومن سائر المعجزات كقلب العصا حية واليد البيضاء وفلق البحر وتظليل الغمام وانفجار الحجر بالماء والمن والسلوى ومن أن الله كلمه وكتب له في الألواح وغيرها من الآيات فجاؤا بالاقتراحات المبنية على التعنت والعناد كما قالوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك [هود: 12] وما أشبه ذلك.
واعلم أن الذي اقترحوه غير لازم لأنه لا يجب في معجزات الأنبياء عليهم السلام أن تكون واحدة ولا فيما ينزل إليهم من الكتب أن يكون على وجه واحد إذ الصلاح قد يكون في إنزاله مجموعا كالتوراة ومفرقا 
كالقرآن، ثم أنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة بقوله: أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل واختلفوا في أن الضمير في قوله: أولم يكفروا إلى من يعود، وذكروا وجوها: أحدها: أن اليهود أمروا قريشا أن يسألوا محمدا أن يؤتى مثل ما أوتي موسى عليه السلام فقال تعالى: أولم يكفروا بما أوتي موسى يعني أو لم تكفروا يا هؤلاء اليهود الذين استخرجوا هذا السؤال بموسى عليه السلام مع تلك الآيات الباهرة وثانيها: إن الذين أوردوا هذا الاقتراح كفار مكة، والذين كفروا بموسى هم الذين كانوا في زطمان موسى عليه السلام إلا أنه تعالى جعلهم كالشيء الواحد لأنهم في الكفر والتعنت كالشيء الواحد وثالثها: قال الكلبي إن مشركي مكة بعثوا رهطا إلى يهود المدينة ليسألهم عن محمد وشأنه فقالوا إنا نجده في التوراة بنعته وصفته، فلما/ رجع الرهط إليهم وأخبروهم بقول اليهود قالوا إنه كان ساحرا كما أن محمدا ساحر، فقال تعالى: أولم يكفروا بما أوتي موسى ورابعها: قال الحسن قد كان للعرب أصل في أيام موسى عليه السلام فمعناه على هذا أو لم يكفر آباؤهم بأن قالوا في موسى وهارون ساحران وخامسها: قال قتادة أو لم يكفر اليهود في عصر محمد بما أوتي موسى من قبل من البشارة بعيسى ومحمد عليهما السلام فقالوا ساحران وسادسها: وهو الأظهر عندي أن كفار قريش ومكة كانوا منكرين لجميع النبوات ثم إنهم لما طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم معجزات موسى عليه السلام قال الله تعالى: أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل
بل بما أوتي جميع الأنبياء من قبل، فعلمنا أنه لا غرض لكم في هذا الاقتراح إلا التعنت، ثم إنه تعالى حكى كيفية كفرهم بما أوتي موسى من وجهين: الأول: قولهم:
ساحران تظاهرا قرأ ابن كثير وأبو عمرو وأهل المدينة (ساحران) بالألف وقرأ أهل الكوفة بغير ألف وذكروا في تفسير الساحرين وجوها: أحدها: المراد هارون وموسى عليهما السلام تظاهرا أي تعاونا وقرئ (اظاهرا) على الإدغام وسحران بمعنى ذوي سحر وجعلوهما سحرين مبالغة في وصفهما بالسحر وكثير من المفسرين فسروا قوله: سحران بأن المراد هو القرآن والتوراة واختار أبو عبيدة القراءة بالألف لأن المظاهرة بالناس وأفعالهم أشبه منها بالكتب وجوابه: إنا بينا أن قوله: سحران يمكن حمله على الرجلين وبتقدير أن يكون المراد الكتابين لكن لما كان كل واحد من الكتابين يقوي الآخر لم يبعد أن يقال على سبيل المجاز تعاونا كما تقول تظاهرت الأخبار وهذه التأويلات إنما تصح إذا حملنا قوله: أولم يكفروا بما أوتي موسى إما على كفار مكة أو على الكفار الذين كانوا في زمان موسى عليه السلام ولا شك أن ذلك أليق بمساق الآية الثاني:
قولهم: إنا بكل كافرون أي بما أنزل على محمد وموسى وسائر الأنبياء عليهم السلام ومعلوم أن هذا الكلام لا يلق إلا بالمشركين لا باليهود وذلك مبالغة في أنهم مع كثرة آيات موسى عليه السلام كذبوه فما الذي يمنع من مثله في محمد صلى الله عليه وسلم وإن ظهرت حجته، ولما أجاب الله تعالى عن شبههم ذكر الحجة الدالة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم فقال: قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه وهذا تنبيه على عجزهم عن الإتيان بمثله، قال الزجاج (أتبعه) بالجزم على الشرط ومن قرأ (أتبعه) بالرفع فالتقدير أنا أتبعه، ثم قال: فإن لم يستجيبوا لك قال ابن عباس يريد فإن لم يؤمنوا بما جئت به من الحجج، وقال مقاتل فإن لم يمكنهم أن يأتوا بكتاب أفضل منهما وهذا أشبه بالآية فإن قيل الاستجابة تقتضي دعاء فأين الدعاء هاهنا؟ قلنا قوله: فأتوا بكتاب أمر والأمر دعاء إلى الفعل ثم قال: فاعلم أنما يتبعون أهواءهم يعني قد صاروا ملزمين ولم يبق لهم شيء إلا اتباع الهوى ثم زيف طريقتهم بقوله: ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله وهذا من أعظم الدلائل على فساد التقليد وأنه لا بد من الحجة والاستدلال إن الله لا يهدي القوم الظالمين وهو عام يتناول الكافر لقوله:


تفسير الجلالين:

فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (48)

{فَلَمَّا جَاءَهُمْ الْحَقّ} مُحَمَّد {مِنْ عِنْدنَا قَالُوا لَوْلَا} هَلَّا {أُوتِيَ مِثْل مَا أُوتِيَ مُوسَى} مِنْ الْآيَات كَالْيَدِ الْبَيْضَاء وَالْعَصَا وَغَيْرهمَا أَوْ الكتاب جملة واحدة قال تعالى {أو لم يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْل} حَيْثُ {قَالُوا} فِيهِ وَفِي مُحَمَّد {سَاحِرَانِ} وَفِي قِرَاءَة سِحْرَانِ أَيْ الْقُرْآن وَالتَّوْرَاة {تَظَاهَرَا} تَعَاوَنَا {وَقَالُوا إنا بكل} من النبيين والكتابين {كافرون}



تفسير الجزائري:

وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (44) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (45) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46) وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47)

شرح الكلمات:
فلما جاء هم الحق من عندنا: أي محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رسولا مبينا.
قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى: أي هلا أعطي مثل ما أعطي موسى من الآيات المعجزات من العصا واليد أو كتابا جملة واحدة كالتورة.
أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل: أي كيف يطالبونك بأن تؤتى مثل ما أوتي موسى وقد كفروا بما أوتي موسى من قبل لما أخبرهم اليهود أنهم يجدون نعت محمد في التوراة كفروا بهذا الخبر ولم يقبلوه.
وقالوا سحران تظاهرا: أي التوراة والقرآن كلاهما سحر ظاهر بعضهما بعضاً أي قواه.
فإن لم يستجيبوا لك: أي بالإتيان بالكتاب الذي هو أهدى من التوراة والقرآن.
فاعلم أنما يتبعون أهواءهم: في كفرهم ليس غير، فلا عقل ولا كتاب منير.
ومن أضل ممن اتبع هواه: أي لا أضل منه قط.
ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون: أي بأخبار الأولين وما أحللنا بهم من نقمتنا لما كذبوا رسلنا وأنكروا توحيدنا {لعلهم يتذكرون} أي يتعظون فيؤمنون ويوحدون.
معنى الآيات:
لما قرر تعالى نبوة رسوله محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأدلته التي لا أقوى منها ولا أوضح وبين حاجة العالم إليها لا سيما العرب وذكر أنه لولا كراهة وقولهم: {لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} لما أرسل (1) إليهم رسوله. ذكر هنا ما واجه به المشركون تلك الرحمة المهداة فقال عنهم {فَلَمَّا جَاءَهُمُ (2) الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا} أي محمد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالوا: {لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى} أي من الآيات كالعصا واليد البيضاء حتى نؤمن به ونصدق رسالته قال 
تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا} (1) . وقالوا: {إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ} وذلك أن قريشا لما كثر المؤمنون وهالهم الموقف بعثوا إلى يهود المدينة يسألونهم بوصفهم أهل الكتاب الأول عن مدى صدق محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما يقوله فأجابهم اليهود بأنهم يجدون نعوت النبي الأمي في التوراة وأنه رسول حق وليس بكذاب ولا دجال فما كان من المشركين من قريش إلا أن أعلنو كفرهم بالتوراة وقالوا: التوراة والقرآن {سِحْرَانِ (2) } تعاونا فلا نؤمن بهما ولا نصدق من جاء بهما وقرئ {سَاحِرَانِ} أي موسى ومحمد عليهما السلام فلا نؤمن بهما.
هذا معنى قوله تعالى {أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ} أي بكل منهما كافرون.
فكيف لا يخجلون اليوم ويطالبون محمداً أن يعطى مثل الذي أعطي موسى من الآيات يا للعجب أين يذهب بعقول المشركين؟!!
وقوله تعالى: {قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ} أي قل يا رسولنا لهؤلاء المشركين الذين كفروا بالتوراة والقرآن {فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ} أنزله بعلمه يكون أكثر هداية من التوراة والقرآن.. أتبعه! {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} في دعواكم بأن الفرقان والتوراة سحران تظاهرا.
وقوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ} بالإتيان بكتاب من عند الله تعالى هو أهدى من الفرقان والتوراة ومن أين لهم بذلك.. إنه المستحيل! إذاً فاعلم أنهم إنما يتبعون أهواءهم فيما يقولون ويدعون فلا عقل ولا نقل عندهم {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ} ؟! اللهم إنه لا أضل منه. والنتيجة أنه لا أضل من هؤلاء المشركين من قريش وقوله تعالى {إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ (3) الظَّالِمِينَ} هذا بيان لسنة الله تعالى في الظالمين الذين أكثروا من الظلم وتوغلوا فيه عقيدة بالشرك وعملا بالمعاصي فإنه يحرمهم الهداية فلا يهتدون أبدا.



التفسير الوسيط لمجمع البحوث:

{فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ}:
أي: فلما جاء هؤلاء القوم من أهل مكة الموجودين عند بعثة سيدنا محمَّد - صلى الله عليه وسلم - لما جاءهم القرآن الحق وهو المنزل على محمَّد - صلى الله عليه وسلم - قالوا تعنتا واقتراحا: هلا أوتي محمَّد مثل ما أوتي موسى من التوراة المنزلة جملة، ومن المعجزات الأخرى كقلب العصا حية وفلق البحر, وغير ذلك، قالوا هذا كما قالوا: {لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ} (1).
وقوله - تعالى -: {أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ} رد عليهم وإظهار لتعنتهم، وبعدهم عما يرشدهم إلى الحق.
والمعنى: أولم يكفر أمثالهم، ومن مذهبهم كمذهبهم في الكفر والعناد بما أوتي موسى؟
وعن الحسن - رحمه الله - كان للعرب أصل في أيام موسى، فيكون المعنى على هذا: أولم يكفر آباؤهم المعاصرون لموسى، وقوله: {مِنْ قَبْلُ} متعلق بـ {يَكْفُرُوا} أي: أولم يكفروا من قبل هذا القول؟ أومن قبل هؤلاء الكفار؟ قالوا: سحران تظاهرا وتعاونا: سحر موسى وسحر هارون.
ونحن نرجح أن الذين كفروا بما أوتي موسى من قبل وقالوا: سحران تظاهرا، هم أهل مكة، روى أن أهل مكة بعثوا رهطا منهم إلى رؤساء اليهود في عيد لهم فسألوهم عن شأن محمَّد - عليه الصلاة والسلام - فقالوا: إنا نجده في التوراة بنعته وصفته، فلما رجع الرهط وأخبروهم بما قالت اليهود قالوا ذلك، وقالوا: إنا بكل من الكتابين - القرآن والتوراة - كافرون، قالوا ذلك تأكيدا لكفرهم لغاية عتوهم وتماديهم في العناد والطغيان، وقرئ: {سِحْرَانِ تَظَاهَرَا} يعنون موسى ومحمد - صلى الله عليه وسلم -.

{قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (49) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50)}
المفردات:
{أَهْدَى}: أقوى في الهداية.
{مِنْهُمَا}: من القرآن والتوراة.

{قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}:
أي: قل يا رسول الله لهؤلاء المشركين: إذا كان القرآن والتوراة سحرين متظاهرين فأتوا بكتابٍ من عند الله أقوى منهما في الهداية، فإن تأتوا به أتبعه وأصدقه، وأمضي على هديه، وهذا الشروط مما يأتي به من يشير إلى وضوح حجته وسنوح محجته؛ لأن الإتيان بما هو أهدى من الكتابين أمر بيّن الاستحالة، فيوسع دائرة الكلام للتبكيت والإفحام.
وقوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} معناه: إن كنتم صادقين في أنهما سحران مختلقان تظاهرا، وإيراد الجملة بأسلوب التشكيك مع استحالة صدقهم مزيد تهكم بهم.
50 - {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ... } الآية.
أي: فإن لم يستطيعوا أن يفعلوا ما كلفتهم به من الإتيان بكتاب هو أهدى من القرآن والتوراة - ولن يستطيعوا ذلك ولن يقابلوه - فاعلم أنهم إنما يتبعون آهواءهم الزائغة، ويصرون على موقفهم عنادا وكفرا من غير أن يكون لهم مُتَمسك ما أصلا، إذ لو كان لهم لأتوا به.
-----------------

هذه بعضا من كتب التفسير ولمن أراد الاستزادة فلا يزال هناك المزيد من كتب التفسير وكلها تصب في نفس النتيجة الكتابان المذكوران هما (التوراة والقرآن الكريم).

والله أعلم


الى هنا أكتفي وأسأل الله تعالى بأن أكون قدمت ما ينفع.

ترقب الموضوع القادم (أين جاء في القرآن الكريم أن الإنجيل محرف -4-)

اقرأ الرد السابق على أين جاء في القرآن الكريم أن الإنجيل محرف من هنا
Share on Google Plus

About Abd Elrahman

لا إله إلا الله محمد رسول الله
    Blogger Comment
    Facebook Comment

0 التعليقات:

إرسال تعليق