لماذا خلق الله عباده وهو يعلم مصير أغلبهم إلى النار

لماذا خلق الله عباده وهو يعلم مصير أغلبهم إلى النار؟
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيد المرسلين،
أما بعد:
لماذا خلق الله -تعالى- العباد وهو يعلم مصير أغلبهم إلى النار؟ وما الحكمة من ذلك؟

الموضوع حساس بعض الشيء ويحتاج إلى تركيز ولكنه في الوقت عينه لأيسر من شربة الماء على السائل فهمه وذلك بسبب كتابنا العظيم المجيد القرآن الكريم الذي أنزله الله -تعالى- على عبده النبي الأمي محمد صلى الله عليه وسلم.

الجواب:


وهو جوهرة نفيسة قيمة باهظة ما كان لأحد أن يملك ثمنها (إلا من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله) مغلفة محفوظة بمنديل من الحرير موضوعة على وسادة كأنها ياقوتة ما بين أحرف بعض آيات الله -تعالى- وكلامه المنزل على عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، قد خطف الأبصار شدة التماع بريقها وما استطاعت الأعين ابصارها لذا فشعاعها لا يومض إلا في القلب فمن استشعر في قلبه وميض بريقها امتلأ قلبه حكمة وفاض صدره معرفةً فأصبح عقله أكثر رصانة ومنطقه أكثر رجاحة وذاته أكثر فطنة ونباهة.
ولو أنك أخي القارئ بحثت وفتشت منقبا في أركان الأرض قرنةً قرنة فلن تجد من يملك إجابة تلبي الاستفهام لهذا السؤال وتروي ظمأ العقل المتعطش للمعرفة فتجعله يلتمس الحقيقة ثم يخرج من عالم السراب وسراديب الأوهام إلى كون الحكمة ونور المعرفة ودفئ الدراية إلا عند المسلمين أنفسهم، ذلك أن الله -العليم الحكيم- قد أنزل على رسوله ونبيه حبيبه محمد عليه الصلاة والسلام من الحكمة ما وسعت الكون كله طولا وعرضا، ومن الصحف القيمة ما طغى نورها وشعاع بريقها على ظلمات الجهل الحالكة الدامس عتمها.

دعنا نعيد السؤال كرة ثانية عَلْنا نرتئي أمرا، وهو:
لماذا خلق الله -تعالى- عباده وهو يعلم مصير أغلبهم إلى النار، أو بعبارة أخرى يعلم من سيدخل النار ومن سيدخل الجنة؟ وبمعنى آخر يعلم أن القاتل سيقتل وأن الكافر سيكفر وأن الزاني سيزني والسارق سيسرق إلخ..

ولو كررنا السؤال مرارا وتكرارا سنلاحظ في السؤال حلقة ناقصة، أخي القارء ألم تلحظ في السؤال أن هناك حلقة ناقصة! فما هي؟
وهي أنك أنت لا تعلم، ولا أنا أعلم ولا يوجد في الكون من مخلوق يعلم ما هو مصيره إن كان إلى النار أم إلى الجنة
ولكن الله -تعالى- يعلم، وقال -تعالى-:
(73)   وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۖ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ ۚ قَوْلُهُ الْحَقُّ ۚ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ ۚ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ.
[سورة الأنعام].
وقال أيضا:
(26)   عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا.
[سورة الجن].
وقال أيضا:
(39)   وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا
(40)   إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا.
[سورة النساء].
وقال أيضا:
(60)   وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ ۚ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ۚ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا.
[سورة الأسراء].
وقال -سبحانه-:
(98)   إِنَّمَا إِلَٰهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا.
[سورة طه].
وقال أيضا:
(74)   فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ.
[سورة النحل].
وقال -تعالى-:
(19)   إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ.
[سورة النور].

والآيات كثيرة في كتاب الله -تعالى- هذا وقد ورد ذكر اسم الله (العليم) في القرآن الكريم 157 مرة.
إذا فالله -تعالى- يعلم ولكن العباد لا يعلمون ولو أنه -سبحانه وتعالى- خلق عباده ثم أدخل من علم منهم بأنهم كفار ومشركين وعصاة إلى النار لكانوا عند ذلك سيحتجون على حكم الله -تعالى- ويقولون إنه ظلم.
لذلك كان حقا على الله -تعالى- بأن يخلق هذا الكون الشاسع في وسعه ثم ليجعل فيه مكانا أو حيزا صغيرا وهي الأرض ثم يسمح أو يأذن بشكل مؤقت للكفر أو الشرك وما إلى ذلك من جميع أنواع الظلم والخطايا والمعاصي، وذلك بهدف الاختبار والامتحان وحتى لا تكون للكافر حجة إذا ما امر الله -تعالى- به يوم الحساب إلى النار.
ولكن لعل الكافر عندما يقف بين يدي الله -تعالى- يوم العرض والحساب بعد قيام الساعة بأن تكون له حجة ولِما لا فعذاب الله -تعالى- شديد أليم ولا طاقة لمخلوق على تحمله،
وقال -تعالى-:
(11)   يُبَصَّرُونَهُمْ ۚ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ
(12)   وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ
(13)   وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ
(14)   وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ
(15)   كَلَّا ۖ إِنَّهَا لَظَىٰ
(16)   نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ
(17)   تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ
(18)   وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ
[سورة المعارج].
وقال أيضا:
(18)   يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ ۖ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ ۚ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ.
[سورة المجادلة].
فلشدة العذاب فإن الكافر سوف يبحث له عن أدنى حجة ظنا منه أن ذلك قد ينجيه من عذاب الله -تعالى- الأليم ولكن هيهات هيهات فلقد سبق علم الله -تعالى- كل شيء هذا لأن الله -تعالى- قد أعد للكافر أشد العذاب،
وقال -تعالى-:
(15)   أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.
[سورة المجادلة].
فعندما يعد الله -تعالى- العذاب للكافرين فهذا يعني أنه قد سبق جميع عباده في حججهم بمعنى أن حجة الكافر داحضة ولا قيمة لها،
ولشدة يأس الكفار يوم العرض لما سيرون من سوء الخاتم فسيتمنون لو أنهم كانوا تراب،
وقال -تعالى-:
(42)   يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا.
[سورة النساء].

ولكن أين الحجة بعد أن أرسل الله -تعالى- رسله بالبينات والزبر؟

 وقال -تعالى-:
(163)   ۞ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ ۚ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا
(164)   وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ۚ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا
(165)   رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا
(166)   لَّٰكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ ۖ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا.
[سورة النساء].

ثم أن الله -تعالى- خلق الإنسان وأورثه هذه الأرض وأرسل لعباده الكثير من الرسل عبر الزمن وأنزل الكتب أيضا وجعل في عباده الكثير من الدعاة والأئمة قائمين على الدعوة إلى عبادة الله -تعالى- ليلا نهارا جهارا علانية وإسرارا، فعبر الزمان ومنذ بدئ الخليقة قد جعل الله -تعالى- الكثير من الأئمة ولا تزال كتابات بعضهم محفوظة إلى الآن، ومثال على ذلك ما كان من الأئمة الصالحين من بني إسرائيل، وقال -تعالى-:
(73)   وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ ۖ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ.
[سورة الأنبياء].
وقال أيضا:
(24)   وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ.
[سورة السجدة].

طبعا ها أولاء الصالحين هم ممن أنبأنا الله -تعالى- بهم ولكن لا يزال يوجد غيرهم الكثير ممن لم يوحي إلى رسوله صلى الله عليه وسلم ذكرهم.
هذا كان فيمن كانوا من قبلنا وعندما أرسل الله -تعالى- رسوله محمد صلى الله عليه وسلم جعل من أمته أعدادا لا تحصى من الأئمة والدعاة الذين يدعون الناس إلى عبادة الله -تعالى- الواحد إله السماوات والأرض وإله إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد إلهً واحدً لا إله إلا هو الحي القيوم.
وفي الوقت الحالي يعتبر الإسلام من أكثر الأديان شهرةً وأكثرها هيمنةً على وسائل الإعلام والإعلان المرئية والمسموعة ووسائل التواصل الاجتماعي وغيرها حتى أن الكثيرين من غير المسلمين كالسياسيين مثلا راحوا يستخدمون كلمة (الإسلام) في حملاتهم الانتخابية وخطاباتهم السياسية وذلك بهدف رَكب شهرت هذا الدين العظيم من أجل الوصول إلى أكبر عدد من الأصوات الانتخابية، ذلك أن أي شيء على وسائل الإعلام وبمجر أن يوضع بجانبه كلمة (إسلام) فإنه ينتشر في أصقاع المعمورة كالنار في الهشيم هذا لأن دين الإسلام دين عظيم مهيمن فهو كوكب دري عظيم وجميع المخلوقات تطوف حوله ما بين مؤمن وكافر، فماذا يعني هذا؟ هذا يعني بأن الله -تعالى- قد أوصل كلماته لجميع عباده في كل أرجاء المعمورة ولم يعد يبقى من أحد على وجه الأرض إلا وقد سمع بدين الإسلام العظيم وبرسوله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وقال -تعالى-:
(51)   ۞ وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ.
[سورة القصص].
وقال الإمام القرطبي:
قوله تعالى: ولقد وصلنا لهم القول أي أتبعنا بعضه بعضا، وبعثنا رسولا بعد رسول وقرأ الحسن (وصلنا) مخففا وقال أبو عبيدة والأخفش: معنى (وصلنا) أتممنا كصلتك الشيء وقال ابن عيينة والسدي: بينا. وقاله ابن عباس وقال مجاهد: فصلنا وكذلك كان يقرؤها. وقال ابن زيد: وصلنا لهم خبر الدنيا بخبر الآخرة حتى كأنهم في الآخرة في الدنيا وقال أهل المعاني: والينا وتابعنا وأنزلنا القرآن تبع بعضه بعضا: وعدا ووعيدا وقصصا وعبرا ونصائح ومواعظ؛ إرادة أن يتذكروا فيفلحوا وأصلها من وصل الحبال بعضها ببعض...//انتهى//..

ولعل هذه واحدة من حجج الله -تعالى- على عباده التي يمكن أن يقال بأنها الحجة البينة المتينة القوية ذلك بأنه وصل لهم القول بمعنى أنه -سبحانه- أعلم عباده كافة بما سوف يحدث بمن يجحد بآيات الله -تعالى- ويكفر بها وما ستؤول إليه عاقبة الكافرين على اختلاف مللهم ونحلهم وأجناسهم وأطباعهم الخ.. فعلى مر الزمان قد وصل قول الله -تعالى- إلى أسماع عباده نِعمَ الوصول على ألسنة رسله عليهم صلوات الله -تعالى- وسلامه، ومنها ما جاء به رسولنا وشفيعنا محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله -تعالى- من القول المبارك المنزل من عند الله -تعالى- وهو القرآن الكريم كلام الله -تعالى- ووحيه الموحى به إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وإني لأقسم وأشهد بأن القول قد ضرب أصقاع الأرض وشاع نوره في مغاربها ومشارقها وما بقي من عبد على وجه المعمورة إلا وقد سمع بدين الإسلام إلى ما شاء الله -تعالى-.

ولماذا قد تكون هذه واحدة من بين أقوى حجج الله -تعالى- على عباده فهي التي ستجعل الكافر يتمنى لو أن الأرض تسوى به أو يندثر هو فيكون تراباً، وهو السؤال الذي سيُسأله الكافر قبل أن يكب في النار وهو ما جاء في كتاب الله -تعالى-،
وقال -تعالى-:
(6)   وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
(7)   إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ
(8)   تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ ۖ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ
(9)   قَالُوا بَلَىٰ قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ.
[سورة الأعراف].
ولاحظ أخي القارئ من آيات الله -تعالى- تبين أن الكافر نفسه هو من سيشهد على نفسه بأن وعد الله -تعالى- ووعيده وإنذاره وتحذيره قد وصل إلى أسماع الكفار واحدا واحدا ولكنهم هم من جحدوا بآيات الله -تعالى- وكفروا بالله -تعالى- ورسله وكتبه.

أما أن يأتي كافرٌ يوم الحساب فيحاج عن نفسه بأنه لم يأت إليه أحد فيعلمه أو يفهمه أو لينير قلبه بالأيمان وما إلى ذلك من حجج الكفار الواهية فهذا لا يكون من الخرف والكلام الفارغ الذي لا قيمة ولا وزناً له لماذا؟ لأن من جميع نماذج الكفار وأشكال قلوبهم كان يقابلها ذاتها من نماذج المؤمنين وأشكال قلوبهم، على سبيل المثال فلان من الناس سمع باسم الإسلام أو دين الإسلام فرفضه ثم نبذ به وأدار له ظهره ملتفتا إلى ملذات الدنيا ومستمعتا بكفره وإلحاده الخ..
يوجد في المقابل شخص آخر مثله بنفس القلب ونفس المواصفات بالكامل قد دخل في دين الإسلام العظيم دين الله -تعالى- الحق وصراطه المستقيم بعد أن سمع باسم هذا الدين العظيم ولكنه لم ينبذه وراءه ظهريا بل تحرى عنه وبحث وحقق فيه حتى تبين له أنه الحق من عند الله -تعالى- ثم دخل في هذا الدين فأسلم فأصبح مسلما لله -تعالى- مؤمنا به وبكتابه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم.
والأمر ذاته يقاس على جميع أشكال قلوب العباد جميعا لذلك فلا يوجد أدنى من أدنى حجة للكافر بعد حجة الله -تعالى- العظيمة،
وقال -تعالى-:
(16)   وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ
(17)   اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ ۗ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ.
[سورة الشورة].


ولعل الكافر أن يقول أو يأتي بحجة وهي لماذا لم يخبره الله -تعالى- قبل أن يختبره بمعنى يخبره قبل أن يخلقه في الأرض بأنه ذاهب إلى امتحان أو اختبار،
ولكن هذا قد حدث فعلا بأن الله -تعالى- قد أخبر عباده وأنبأهم بهذا الشأن أنه سينشئهم على الأرض لأجل امتحانهم واختبارهم بعد أن أخرجهم من ظهر أبيهم آدم فجمعهم وأنبأهم بذلك ثم أشهدهم على ذلك وهم في عالم الذر، وقال -تعالى-:
(172)   وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ
(173)   أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ ۖ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ
(174)   وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.
[سورة الأعراف].

وقال ابن كثير:
يخبر تعالى أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم، شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلا هو.
عن ابن عباس [رضي الله عنهما] قال: أخرج الله ذرية آدم [عليه السلام] من ظهره كهيئة الذر، وهو في آذي من الماء.
وقال أيضا: حدثنا علي بن سهل، حدثنا ضمرة بن ربيعة، حدثنا أبو مسعود عن جوبير قال: مات ابن للضحاك بن مزاحم، [وهو] ابن ستة أيام. قال: فقال: يا جابر، إذا أنت وضعت ابني في لحده، فأبرز وجهه، وحل عنه عقده، فإن ابني مجلس، ومسئول. ففعلت به الذي أمر، فلما فرغت قلت: يرحمك الله ، عم يسأل ابنك ؟ من يسأله إياه؟ قال: يسأل عن الميثاق الذي أقر به في صلب آدم. قلت: يا أبا القاسم، وما هذا الميثاق الذي أقر به في صلب آدم؟ قال: حدثني ابن عباس [رضي الله عنه] ; أن الله مسح صلب آدم فاستخرج منه كل نسمة هو خلقها إلى يوم القيامة، فأخذ منهم الميثاق: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وتكفل لهم بالأرزاق، ثم أعادهم في صلبه. فلن تقوم الساعة حتى يولد من أعطى الميثاق يومئذ، فمن أدرك منهم الميثاق الآخر فوفى به، نفعه الميثاق الأول. ومن أدرك الميثاق الآخر فلم يف به، لم ينفعه الميثاق الأول. ومن مات صغيرا قبل أن يدرك الميثاق الآخر، مات على الميثاق الأول.
..//انتهى//..

لعل الكافر قد يحتج بحجة أخرى ألا وهي، لماذا خلقني الله -تعالى- كافراً ولم يخلقني مسلماً مؤمناً؟
وهذا الكلام لا يكون إلا من قبيل الخرف الواهي جدا بل هو لا شيء، لماذا؟
لأن الله -تعالى- خلق عباده جميعا على الفطرة أي خلقهم مؤمنين،
وقال -تعالى-:
(30)   فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ.
[سورة الروم].
وقال أيضا:
(138)   صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ۖ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ.
[سورة البقرة].

وفي الصحيحين عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كل مولود يولد على الفطرة - وفي رواية: على هذه الملة - فأبواه يهودانه، وينصرانه، ويمجسانه، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء "
وفي صحيح مسلم، عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يقول الله [تعالى] إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم، عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم "

وقال الإمام أبو جعفر بن جرير، رحمه الله: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني السري بن يحيى: أن الحسن بن أبي الحسن حدثهم، عن الأسود بن سريع من بني سعد، قال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع غزوات، قال: فتناول القوم الذرية بعد ما قتلوا المقاتلة، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاشتد عليه، ثم قال: " ما بال أقوام يتناولون الذرية؟ " قال رجل: يا رسول الله ، أليسوا أبناء المشركين؟ فقال: " إن خياركم أبناء المشركين! ألا إنها ليست نسمة تولد إلا ولدت على الفطرة، فما تزال عليها حتى يبين عنها لسانها، فأبواها يهودانها أو ينصرانها".
..//انتهى//..

الآن وبعدما قرأناه أصبحنا نعلم أن الله -تعالى- لو أنه خلق عباده ثم جعل من علم بهم في جهنم لكان سيحتج ها أولاء العباد الكفار على حكمه، ولكنه -سبحانه- إله حكم عدل وأنه -سبحانه- يحاسب عباده بناءً على أعمالهم ولا يظلمهم أدنى من مثقال حبة من خردل، وقال -تعالى-:
(6)   يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ
(7)   فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ
(8)   وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ.
[سورة الزلزلة].


وخير ما نختم به من قوله -تعالى-:
(32)   فَذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ ۖ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ
( 33)   كَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
(34)   قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ۚ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ
(35)   قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ ۚ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ ۗ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَىٰ ۖ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ
(36)   وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ.
[سورة يونس].

وقال أيضا:
(95)   وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ
(96)   إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ
(97)   وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ.
[سورة يونس].

وقال أيضا:
(5)   كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ ۖ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ ۖ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ
(6)   وَكَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ.
[سورة غافر].

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آل بيته وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
تم بفضل الله -تعالى-.

Share on Google Plus

About Abd Elrahman

لا إله إلا الله محمد رسول الله
    Blogger Comment
    Facebook Comment

0 التعليقات:

إرسال تعليق