الرد على شبهة لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين،
أما بعد:

شبهة يثيرها المشككين وأعداء الله -تعالى- من مقرفي ومشاغبي أهل الكتاب ما بين يهودي مغضوب ونصراني مشاغب ضال مقرف ممل سافل سفيه قد لبث ثوب الشيطنة وشط عن سبيل الله -تعالى-، كتابي تافه لم يجد طريقا لنصرة دينه الوثني المحرف إلا أن يعادي الله -تعالى- ويتهجم على دينه الإسلام العظيم الدين الذي لن يقبل الله -تعالى- غيره، 

وقال -تعالى-:
(85)   وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ.
[سورة آل عمران].


مشكك سافل بغيض لم تعجبه صبغة الله -تعالى- ولا فطرته التي صبغ بها عباده أجمعين، فراح يلقي الفتن ويثير الشبهات ظنا منه أن ذلك قد يعود عليه بالنفع لنصرة دينه الضال وواقع أمره أنه يضل نفسه ضلا قوق ضلالها.

وما بين مسلم قد هجر كتاب الله -تعالى- وسنة نبيه فسبقه كتاب الله -تعالى- وقصر الأول عنه فأصبح إذا سمع شبهة على مواقع التواصل الاجتماعي أو الإعلامية أو غيرها من السهل أن يقع بها ويلبس عليه أمر دينه فهو إن سمع كلام الله -تعالى- أو قرأه قد لا يعيه أو يستوعبه بسبب ضعفه اللغوي أو عدم اطلاعه على كتب التفاسير.

والشبهة يثيرها المشككين حول قوله -تعالى- في سورة المائدة:
(101)   يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ.
(102)   قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ.
[سورة المائدة].

فكل ما جاء المشكك المسلم لنقاش ألقى له شبهة ما وقال له أنتم ممنوع عليكم أن تسألوا حول دينكم وكتابكم لأن محمد كان خائفا من أن يعلم أمره بأن كلامه غير صحيح.

الرد:

بعث الله -تعالى- نبيه محمد صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة ونزل عليه القرآن الكريم ليشرع للناس أمر دينهم ومعاشهم، وما ميز القرآن الكريم عن غيره من الكتب السابقة هو أن الله -تعالى- لم ينزله جملة واحدة أو دفعة واحدة إنما أنزله على دفعات ومراحل حتى إن القرآن الكريم كلف من الوقت إثنين وعشرين عاما وهو ينزل بالوحي من الله -تعالى- على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فما تراه من أمور الدين الحنيف إنما أنزلها الله -تعالى- وشرعها واحدة تلوى الأخرى وأمرا بعد الثاني حتى خرج لنا الدين الحنيف بهذا الشكل.

والنقطة الثانية المهمة ودعنا نقولها بأسلوب أوضح لنقربها إلى الفهم وهي ما أعطاه الله -تعالى- لرسوله صلى الله عليه وسلم وهي السنة النبوية المطهرة والتي جعلها الله -تعالى- على لسان عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم فاصلا بين الحق والباطل والخير والشر ونورا هاديا للمسلمين فأصبح صلى الله عليه وسلم إذا ما أنكر أمرا أو حرمه أو أمر به أو نهى عنه استوجب على المسلمين كافة أن يطيعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر كما أمر به صلى الله عليه وسلم فإن أنكره ينكرونه وإن بغضه يبغضونه وإن أحبه يحبونه وإن فعله يفعلونه بكل بساطة يقتدون برسول الله صلى الله عليه وسلم فالمسلم ملزم بكتاب الله -تعالى- وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ولا يصح إسلام العبد اذا ما رفض سنة نبيه صلى الله عليه سلم ونبذها ولم يأخذ بها وقد توعد الله -سبحانه- لمن عصى رسوله صلى الله عليه وسلم بالنار والعذاب الأليم،
وقال تعالى:
(13)   تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.
(14)   وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ.
[سورة النساء].

إذا فأوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم ونواهيه وما إلى ذلك تلزم المسلم باتباعها والأخذ بها.

وسندخل الآن في لب الموضوع لنسأل عن سبب نزول هذه الآية الكريم، فما الذي كان يحدث فتسبب بنزولها، والذي كان يحصل عند نزول القرآن الكريم وآيات الله -تعالى- كان بعض الناس ممن أثارهم الفضول يأتون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسألون حول ما شرعته الآية المنزلة بما يفوق حكمها ويتعدها وبما لا تحتمله الآية الكريمة المنزلة،

 وخير مثال على هذا ما رواه الإمام أحمد وأخرجه ابن كثير من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:
قال الإمام أحمد: حدثنا منصور بن وردان الأسدي، حدثنا علي بن عبد الأعلى، عن أبيه، عن أبي البختري - وهو سعيد بن فيروز - عن علي قال: لما نزلت هذه الآية: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) [آل عمران: 97] قالوا: يا رسول الله ، كل عام؟ فسكت. فقالوا: أفي كل عام؟ فسكت، قال: ثم قالوا: أفي كل عام؟ فقال:" لا ولو قلت: نعم لوجبت "، فأنزل الله -تعالى-: (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم) إلى آخر الآية.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا:
عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيّعوها، وحدّ حدودا فلا تعتدوها، وحرّم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء - رحمة لكم غير نسيان - فلا تبحثوا عنها) حديث حسن،
رواه الدارقطني وغيره.

وشرح القسم الأخير من هذا الحديث بحسب موقع إسلام ويب:-
-         (فما هو موقفه تجاه ما سكت عنه الشرع ولم يوضح حكمه؟ وللجواب عن هذا نقول: إذا لم يرد نصّ في حكم مسألة ما، فإننا نبقى على الأصل، وهو الإباحة. وهذا هو السكوت المقصود في قوله: (وسكت عن أشياء - رحمة لكم غير نسيان - فلا تبحثوا عنها)، إنه سكوت عن إظهار حكمه، ومقتضاه أن يكون باقيا على أصل إباحته، وليس معنى هذا جواز الابتداع في الدين والزيادة فيه، بحجة أنه مسكوت عنه؛ فإن الابتداع ليس مسكوتا عنه، بل هو محرّم كما دلّت الأدلّة على ذلك.). //انتهى//..

وهذه الأشياء التي سكت عنها وتجاوز هي ذاتها التي أراد للمسلمين أن لا يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها.
على سبيل المثال، فرض الله -تعالى- الصلاة خمس فرائض فلو حصل وأن سأل الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنصلي السادسة يا رسول الله (ص) وقال لهم نعم لفرضت علينا ولأصبح المسلمين بها ملزمين ولأتا منهم من كفر بهذه الصلاة السادسة فرفضها لأنه لا يطيقها.
لذلك أنزل الله -تعالى- قوله:
(101)   يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ.
(102)   قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ.
[سورة المائدة].

رحمة بعباده وحتى لا يبحثوا عن المسكوت عنه لأنك ومتى بحثت عن المسكوت عنه فقد تكتشف أنه قد يكون محرم أو أنه يحق ومتى اكتشفت ذلك فستصبح به ملزما وستسأل عنه يوم الحساب لذا فلا تبحث عن المسكوت عنه لأن الله -تعالى- نهى عن ذلك ورسوله أيضا.

ضف إلى ذلك فقد يدفع البحث عن المسكوت عنه العبد إلى ابتداع واستحداث أمرا في دين الله -تعالى- ما لم ينزل به من سلطان والبدعة ضلالة وقد تذهب بصاحبها ومتبعها إلى النار، لذا فلا داعي لتحميل الدين ما لم ينزل وتكليف العباد بما لم يفرض ولم يسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وها هم بني إسرائيل في الأمس وبعد أن نجاهم الله -تعالى- من فرعون اللعين، جاءوا رسوله ونبيهم موسى عليه الصلاة والسلام فسألوه فقالوا يا موسى إن الله وعدك بكتاب وشريعة فأين هي حتى نقيمها، فذهب موسى متحمسا إلى ربه فسألها الله -تعالى- ظنا منه أن بني إسرائيل قومه إنما هم ملائكة في صورة بشر تمشي على الأرض على هون مطمئنين،
فقال له الله -تعالى-:
(83)   وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَىٰ.
(84)   قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَىٰ أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ.
[سورة طه].

فأنزل الله -تعالى- على موسى الألواح والتوراة جملة واحدة أي دفعة واحدة ثم عاد موسى إلى قومه فوجدهم يعبدون العجل من دون الله -تعالى- فأي قوم هم الذين يريدون أن يحملوا شريعة الله -تعالى- وكتابه وقد فتنهم سفيه تافه مثلهم وهو السامري اللعين.

وقد سبق لبني إسرائيل وأن سألوا موسى ما ينسف الجبال ويجعلها تخر مهدودة فسألوه أن يروا الله -تعالى- جهرا، وقال -سبحانه-:
(153)   يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاءِ ۚ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ۚ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَٰلِكَ ۚ وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَانًا مُّبِينًا.
[سورة النساء].

وعندما أمرهم نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام بأن يذبحوا البقرة راحوا يسألونه ما بين استهزاء به وتسفيه لأمره وبين تهرب مما سيبين لهم من الحق فراحوا يسألونها ما لونها وما شكلها فجعلوا كلما أتاهم من الله بجواب يسألونه غيره حتى أعجزهم الله -تعالى- بها ولو أنهم أتوا بأي بقرة لحق ما أراده الله -تعالى- ولكنهم هكذا دائما بقلوب أشد قساوة من الحجر.

وكل هذه الأسئلة التي سألها اليهود لموسى وغيره من الأنبياء إنما كانت السبب الأساسي بأن حمل الله -تعالى- عليهم إصرا إلى يوم القيامة ولا طاقة لهم به.

وقد نهى الله -تعالى- المؤمنين عن أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سئل نبيه موسى عليه السلام من قبل وقال -تعالى-:
(108)   أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ ۗ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ.
[سورة البقرة].

تصور لو أتى الصحابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه كما سأل اليهود نبيهم فطلبوا أن يروا الله جهرة لكانت الصاعقة أخذتهم ولبعثهم الله -تعالى- من بعد موتهم ولحمل الله -تعالى- علينا إصرا إلى يوم القيامة كما حمله على اليهود والنصارى ولفرض علينا فرائض جديدة ما لا نستطيع أن نطيقها أو نتحملها وبالتالي فمن الطبيعي أن نرفضها فنصبح بها كافرين وكذلك الأمر عينه لو سألوه شرعا وفرائض إضافية لأنزلها علينا وما كنا لها مقيمين، ومن رحمة الله -تعالى- فينا وبنا بأن قيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم صحابة هم من خير البرية.

إذا فالآية الكريمة هي لنهي المؤمنين عن السؤال حول المسكوت عنه والذي لو عُلم فقد يستلزم للعبد أن يُسأل عنه لذا فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحث حول ما تجاوز الله -تعالى- عنه،
 فقال: وسكت عن أشياء - رحمة لكم غير نسيان - فلا تبحثوا عنها.

وليس كما يدعي المشكك ويثيره أن الآية تنهي عن أن يسأل العبد حول أمر في دينه قد يكون ملتبسا عليه لعدم احاطته به علما، بل الأمر عكس ذلك تماما والله أمر عباده أن يدرسوا ويتحروا ويسألوا حول آياته،

وقال -تعالى-:
(43)   وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ.
(44)   بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ.
[سورة النحل].

وقال أيضا:
(59)   الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ الرَّحْمَٰنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا.
[سورة الفرقان].

وقال أيضا:
(191)   الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

[سورة آل عمران].



وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


Share on Google Plus

About Abd Elrahman

لا إله إلا الله محمد رسول الله
    Blogger Comment
    Facebook Comment

0 التعليقات:

إرسال تعليق